وإلى طريق تحصيل مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 1 » وأمثال ذلك من نظائره ( وسئل أمير المؤمنين ( ع ) بما ذا عرفت ربّك ؟ قال : بفسخ العزم ونقض الهم « 2 » لما هممت فحيل بيني وبين همّي وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي علمت أن المدبّر غيري ) « 3 » .
وهذا رجوع في المعرفة إلى الفطرة واستمداد بها وإنما يكون لأكثر النّاس عند الاضطرار فانا نرى النّاس عند الوقوع في الأهوال وصعاب الأحوال يتوكلون بحسب الجبلة على اللّه ، ويتوجهون توجّها غريزيا إلى مسبّب الأسباب ومسهّل الأمور الصعاب وإن لم يتفطنوا لذلك ويشهد لهذا قول اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ
« 4 » .
( إن الصادق ( ع ) سئل عن اللّه فقال للسائل هل ركبت سفينة قط ؟ قال : بلى ، قال :
فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة « 5 » تغنيك ؟ قال : بلى ، قال : فهل تعلق قلبك هناك ان شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ قال : بلى قال الصادق ( ع ) : فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حين لا منجي وعلى الإغاثة حين لا مغيث ) « 6 » .
وفي قوله سبحانه : ألست بربكم إشارة لطيفة إلى الفطرة حين استفهم منهم الإقرار بربوبيته تنبيها لي أنهم كانوا مقرين بوجوده في بداية عقولهم وفطر نفوسهم ، ( وسئل الباقر ( ع ) عن قول اللّه تعالى :
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ
« 7 » وعن الحنفية فقال : هي الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ، قال : فطرهم اللّه على المعرفة ) « 8 »
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 190 .
( 2 ) الهم ما هم به الرجل أو أجال فكره لفعله وإيقاعه وكذا الهمة ما هم به من أمر ليفعل ، والعزم القوى جمع همم . المنجد .
( 3 ) التوحيد : ص 288 ح 6 .
( 4 ) سورة الأنعام : الآية 40 - 41 .
( 5 ) السبح : المر السريع في الماء وفي الهواء يقال : سبح سبحا وسباحة ، كذا في المفردات
( 6 ) معاني الأخبار : ص 4 ح 2 وعن تفسير العسكري كما في البحار : ج 3 ص 41 ح 16
( 7 ) سورة الحج : الآية 31 .
( 8 ) التوحيد : ص 330 ح 9 .