منها اختلف » « 1 » فالتناكر نتيجة التباين ، والايتلاف نتيجة التناسب الذي عبّر عنه ( ص ) بالتعارف .
ويدخل في هذا القسم المحبّة للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشّهوة ، فان الصّورة الجميلة مستلذة في عينها وإن قدر فقد أصل الشّهوة حتى يستلذ بالنظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار والتفاح المشوب بالحمرة وإلى الماء وإلى الخضرة من غير غرض سوى عينها ، وهذا الحبّ لا يدخل فيه الحبّ للّه بل هو الحبّ بالطبع وشهوة النفس ويتصور ذلك ممّن لا يؤمن باللّه إلّا أنّه إن اتّصل به غرض مذموم صار مذموما ، وإلّا فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم .
والقسم الثاني أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته فيكون وسيلة إلى محبوب غيره والوسيلة إلى المحبوب محبوب فلذلك يحب النّاس الذهب والفضة من حيث إنهما وسيلة إلى المقاصد كما يحب الرّجل سلطانا للانتفاع به ، ويحبّ خواصّه لتحسينهم حاله عنده وتمهيدهم أمره في قلبه ، فالمتوسّل إليه إن كان مقصودا لفايدة دنيوية لم يكن من جملة الحبّ في اللّه ، ثم ينقسم ذلك إلى مذموم ومباح .
والقسم الثالث أن يحبّه لا لذاته بل لغيره وذلك الغير غير راجع إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة وهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه ، وذلك كمن يحب أستاذه وشيخه لأن يتوسّل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة ، وهذا من جملة المحبّين للّه وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويترقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء .
قال عيسى ( ع ) : « من علم وعمل وعلّم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السّماء » « 2 » ولا يتم التعليم إلّا بمتعلم فهو إذن آلة في تحصيل هذا الكمال ، فان أحبّه لأنه آلة له إذ جعل صدره مزرعة لحرثه « 3 » فهو محبّ للّه ، بل نزيد ونقول : من يجمع الضيفان ويهيء لهم الأطعمة اللذيذة تقرّبا إلى اللّه فأحبّ طبّاخا يحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبّين في اللّه .
وكذا لو أحب من يتولى له ايصال الصّدقة إلى المستحقين فقد أحبّه في اللّه بل نزيد على هذا فنقول : من أحبّ من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 2 ص 147 ومن لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 272
( 2 ) الكافي : ج 1 ص 35
( 3 ) الحرث اصلاح الأرض والقاء البذر فيها ويسمى الزرع الحرث أيضا وفي الحديث : المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعها اللّه لأقوام .