تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
المقصود إمّا أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها ، وإمّا أن يكون متعلقا بالآخرة وإمّا أن يكون متعلقا باللّه فهذه أربعة أقسام : أما القسم الأول وهو حبّك الانسان لذاته وذلك ممكن وهو أن يكون هو في ذاته محبوبا عندك على معنى أنّك تلتذ برؤيته ومعيّته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ، فان كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله ، وكلّ لذيذ محبوب ، واللذة يتبع الاستحسان ، والاستحسان يتبع المناسبة والملايمة والموافقة بين الطباع . ثمّ ذلك المستحسن إمّا أن يكون الصّورة الظاهرة أعني الخلقة ، وإما أن يكون الصّورة الباطنة اعني كمال العقل وحسن الخلق ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ويتبع كمال العقل غزارة العلم وكلّ ذلك مستحسن عند الطبع السّليم والعقل المستقيم ، وكلّ مستحسن مستلذّ به ومحبوب . بل في ايتلاف القلوب امر اغمض « 1 » من هذا فإنه قد ليستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة وحسن في خلق وخلق ؛ ولكن لمناسبة باطنة توجب الألفة والموافقة ، فان شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع والأشباه الباطنة خفية ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها . وعنه عبر رسول اللّه ( ص ) بقوله : « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر « 2 »
هامش
( 1 ) غمض الكلام : خفى مأخذه ومعناه . المنجد . ( 2 ) تعارفوا : عرف بعضهم بعضا . وتناكروا : انكر بعضهم بعضا وتعادوا ، ومعنى الحديث على ما في المجمع أن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ولهذا ترى الخيّر يحب الأخيار ويميل إليهم ، والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم . قال الغزالي في الاحياء : وروى أن امرأة بمكة كانت تضحك النساء ، وكانت بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدينة فدخلت على عايشة ( رض ) فأضحكتها فقالت : أين نزلت ؟ فذكرت لها صاحبتها فقالت صدق اللّه ورسوله سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقوّل الأرواح جنود مجندة الخ وقال العلامة المجلسي ( قد ) في الجزء الرابع عشر من البحار : وروت عايشة في سبب هذا الحديث ان مخنثا قدم المدينة فنزل على مخنث من غير أن يعلم أنه مخنث فبلغ ذلك النبي ( ص ) فقال : الأرواح جنود مجندة الحديث . « أقول : » راوية الحديث في المقامين كما ترى هي عايشة ، والحديث من طريق أصحابنا الإمامية ( رض ) عن جابر بن يزيد كما في الجزء المذكور من البحار هكذا قال : سمعت أبا عبد اللّه ( ع ) يقول : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها عند اللّه ائتلف في الأرض ، وما تناكر عند اللّه اختلف في الأرض .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 320 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى