تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
للعلم والعمل ومقصوده من استخدامه في هذه الاعمال الفراغ للعبادة ، فهو محبّ في اللّه . القسم الرابع أن يحب للّه وفي اللّه لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسّل به إلى أمر وراء ذاته ، وهذا أعلى الدرجات ، وهو أدقها وأغمضها وهذا القسم أيضا ممكن ، فان من آثار غلبة الحبّ أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلّق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد ، فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الانسان وأحب محبوبه وأحب من يخدمه وأحبّ من يثني عليه محبوبه واحبّ من يتسارع إلى رضا محبوبه قال المجنون :
امرّ على الدّيار ديار ليلى * اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي * ولكن حبّ من سكن الديارا
فاذن المشاهدة والتجربة تدلان على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يتعلق به ولو من بعد ، ولكن ذلك خاصية فرط المحبة فاصل المحبّة لا يكفي فيه وقد مضى تمام الكلام فيه في باب المحبة . ثمّ اعلم أن من يحبّ في اللّه لا بد وان يبغض في اللّه ، فانّك ان أحببت انسانا لأنه مطيع للّه ومحبوب عند اللّه ، فان عصاه لا بدّ وان تبغضه لأنه عاص للّه وممقوت عند اللّه فهما متلازمان وكل واحد منهما دفين « 1 » في القلب وانّما يترشح بظهور افعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة ، وفي الموافقة والمخالفة فإذا ظهر في الفعل سمّي موالاة ومعاداة . وروي إن اللّه تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء امّا زهدك في الدنيا فقد تعجلت الرّاحة وأمّا انقطاعك إليّ فقد تعرّزت بي ، ولكن هل عاديت فيّ عدوا أو واليت فيّ وليّا ؟ وقال عيسى ( ع ) : « تحبّبوا إلى اللّه ببغض أهل المعاصي ، وتقرّبوا إلى اللّه بالتباعد منهم ، والتمسوا رضاء اللّه بسخطهم ، قالوا : يا روح اللّه من نجالس ؟ قال : جالسوا من يذكركم اللّه رؤيته ، ومن يزيد في علمكم كلامه ؛ ومن يرغبكم في الآخرة عمله » « 2 » .

الفصل الثاني أنواع الاخوان

قال الباقر ( ع ) : « قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين ( ع ) فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الاخوان ، فقال ( ع ) : الاخوان صنفان : إخوان الثقة وإخوان المكاشرة .
هامش
( 1 ) الدفين : المدفون المستور . ( 2 ) تحف العقول : ص 37 وصدر الحديث في تنبيه الخواطر : ج 2 ص 25