تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
كان بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد ، وكلّ مرض فانّما يقع فجأة ، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا . ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص عن شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وليل ونهار لعظم اشتغاله بالاستعداد له واستشعاره ولكن الجهل بهذه الأمور وحبّ الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب . فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله ووقوعه فيه ، ويشيع الجنايز ولا يقدر أن ينشيع جنازته ، لأن هذا قد تكرر عليه وألفه وهو شاهد موت غيره فأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصور ان يألفه ، فإنه لم يقع ، فإذا وقع لا يقع دفعة أخرى بعده فهو الأول وهو الاخر . وإذا عرفت أن سبب طول الأمل الجهل وحبّ الدنيا فعلاجه دفع سببه . أمّا الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة . وأمّا حبّ الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد ، وهو الداء العضال الذي أعيى الأوّلين والآخرين علاجه ولا علاج له إلّا الايمان باليوم الاخر وما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ، ومهما حصل اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حبّ الدّنيا فان حبّ الخطير هو الذي يمحو من القلب حبّ الحقير فإذا رأى حقارة الدّنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدّنيا كلّها ، فكيف وليس لكلّ عبد من الدنيا إلّا قدر يسير مكدّر منغّص ، فكيف يفرح بها ويترسّخ في القلب حبّها مع الايمان بالآخرة فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصّالحين من عباده « 1 »

الباب الخامس في الإخاء والألفة

قال اللّه تعالى في معرض الامتنان :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
« 2 » وقال عزّ وجلّ :
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
« 3 »
هامش
( 1 ) ولا علاج في تقرير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الاقران وأنهم كيف جاء هم الموت في وقت لم يحتسبوا ، أما من كان مستعدا له فقد فاز فوزا عظيما ، وأما من كان مغرورا بطول الامل فقد خسر خسرانا مبينا ؛ قال رسول اللّه ( ص ) : اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك : وحياتك قبل موتك . ( 2 ) سورة الأنفال : آية 63 . ( 3 ) سورة آل عمران : آية 103