فان خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك فإلى أن تكبر ثم تتوب وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخا ، وإذا صار شيخا قال : إلى أن تفرغ من بناء هذه الدّار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذا السّفر أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له ، أو تفرغ عن قهر هذا العدو الذي يشمت بك .
ولا يزال يسوّف ويؤخر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلّق باتمامه ذلك الشغل عدة أشغال اخر وهكذا على التّدريج يؤخّر يوما بعد يوم ويفضى به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبها فيطول عند ذلك حسرته .
وأكثر أهل النّار صياحهم من سوف يقولون ، واحزناه من سوف ، والمسوف المسكين لا يدري إن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا ، وإنما يزداد بطول المدّة قوّة ورسوخا ، ويظن أنّه يتصور أن يكون للخائض في الدّنيا والحافظ لها فراغ قط وهيهات ما فرغ منها إلّا من أطرحها .
فما قضى أحد منها لبانته « 1 » * وما انتهى ارب إلا إلى ارب
وأصل هذه الأماني كلّها حبّ الدنيا والانس بها والغفلة عن قوله ( ع ) : « احبب ما أحببت فإنك مفارقه » « 2 » .
وامّا الجهل فهو ان الانسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوّا لكانوا أقل من عشر أهل البلد وإنما قلوا لأن الموت في الشبان أكثر ، وإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبيّ وشاب .
وقد يستبعد الموت لصحّته ويستبعد الموت فجأة « 3 » ولا يدري أن ذلك غير بعيد « 4 » وإن
هامش
( 1 ) اللبانة : الحاجة من غير فاقة بل من همة والهمة ما هم به من امر ليفعل تقول : قضيت لبانتي جمع لبان ولبانات . المنحد .
( 2 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 416
( 3 ) ولا يخفى أن هذا الاستبعاد لعله كان في زمان المصنف ( قد ) وما قبله واما في زماننا هذا فصار موت الفجأة كثيرا شايعا وامرا عاديا بحيث لا يستبعده كل أحد والعجب مع ذلك ترى الناس لاهون ساهون كأن الموت في الدنيا على غيرهم كتب وان الحق فيها على غيرهم وجب ولا يقدر أحد نزوله فيه وليس هذا الا للجهل وحب الدنيا والغفلة نبهنا اللّه عن نومة الغافلين .
( 4 ) كما روي أن الباقر ( ع ) دخل المسجد يوما فرأى شابا يضحك في المسجد فقال له : تضحك في المسجد وأنت بعد ثلاثة من أهل القبور ؟ فمات الرجل في أول اليوم الثالث ودفن في آخره .