تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه « 1 » . وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف ارملوا نساءهم وايتموا أولادهم وضيّعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم واوحشت ديارهم . فمهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية حياته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردّده وأمله في العيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة « 2 » الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عمّا بين يديه من الموت الذّريع « 3 » والهلاك السّريع ، فانّه كيف كان يتردّد والان قد تهدّمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق وقد أكل الدّود لسانه ، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه وأنّه كيف كان يدبّر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلّا شهر وهو غافل عمّا يراد به حتى جاء الموت في وقت لا يحتسب فانكشفت له صورة ملك الموت وقرع سمعه النّداء إمّا بالجنّة أو بالنّار . فعند ذلك ينظر في نفسه أنّه مثلهم وغفلته كغفلتهم والسّعيد منوعظ بغيره فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجددّ ذكر الموت في القلب حتى يغلب عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه . فعند ذلك يوشك أن يستعد له ويتجافى عن دار الغرور وإلا فالذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان قليل الجدوى في التحذير والتنبيه ، ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بدّ من مفارقته .

الفصل الثالث فوائد قصر الأمل

وأما قصر الأمل فقد قال النبيّ ( ص ) : « إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصّباح ، وخذ من دنياك لأخرتك ومن حياتك لموتك ومن صحتك
هامش
( 1 ) وروى أنه لما حضرت الحسن بن علي ( ع ) الوفاة بكى بكاء شديدا وقال : اني اقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط . ( 2 ) المواتاة : حسن المطاوعة والموافقة أصله الهمزة وخفف وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة . م . ( 3 ) موت ذريع أي فاش أو سريع . المنجد .