يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا ويتنغص عليه نعيمه ويتكدر عليه صفو لذّته .
وأمّا التائب فإنه يكثر ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة « 1 » وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد وهو معذور في كراهة الموت ، ولا يدخل هذا تحت قوله ( ع ) : « من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » « 2 » لأن هذا ليس يكره الموت ولقاء اللّه ، وإنّما يخاف فوت لقائه لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعدّ كارها للقاء ، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه ، وإلا ألحق بالمنهمك في الدّنيا .
وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقاء حبيبه ، والمحبّ لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب وهذا في غالب الامر يستبطي مجيء الموت ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار ربّ العالمين ، وأعلى رتبة منهما من يفوض أمره إلى اللّه فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياتا بل يكون أحبّ الأشياء إليه أحبها إلى مولاه « 3 » فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى درجة التسليم والرّضاء .
الفصل الثاني فوائد ذكر الموت
اعلم أن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا فلا ينجع « 4 » ذكر الموت في قلبه فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كلّ شيء إلّا عن ذكر الموت الذي بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فانّه لا يتفكر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه
هامش
( 1 ) قيل لزين العابدين ( ع ) : ما خير ما يموت عليه العبد ؟ قال : أن يكون قد فرغ من أبنيته ودوره وقصوره قيل :
وكيف ذلك ؟ قال : أن يكون من ذنوبه تائبا ، وعلى الخيرات مقيما يرد على اللّه حبيبا كريما .
( 2 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 409 ومصباح الشريعة ص 172
( 3 ) ولنعم ما قيل :يكى درد ويكى درمان بسندد * يكى وصل ويكى هجران بسنددمن از درمان ودرد ووصل وهجران * بسندم آنجه را جانان بسندد( 4 ) نجع فيه الامر والخطاب والوعظ : إذا اثر فيه ونفع . ومنه حديث علي ( ع ) : فانجعوا لما يحق لكم من السمع والطاعة . م .