تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
إلا بلاء وفتنة وما نجا من نجا إلّا بصدق الالتجاء وقال نوح ( ع ) : وجدت الدنيا كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر . هذا حال صفي اللّه فكيف حال من اطمأنّ فيها وركن إليها وأضاع عمره في عمارتها وفرق دينه في طلبها والفكرة مرآة الحسنات وكفارة السيئات وضياء للقلوب وفسحة « 1 » للخلق وإصابة في صلاح المعاد واطلاع على العواقب واستزادة في العلم ، وهي خصلة لا يعبد اللّه بمثلها ، قال رسول اللّه ( ص ) : فكرة ساعة خير من عبادة سنة ولا ينال منزلة التفكر إلّا من خصّه اللّه بنور التوحيد والمعرفة » « 2 » .

الفصل الثاني معرفة اللّه بالقلب

قال الصّادق ( ع ) : « ابن آدم لو اكل قلبك طاير لم يشبعه ، وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطاه ، تريد أن تعرف بهما ملكوت السّماوات والأرض ، إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق اللّه فان قدرت أن تملأ عينك منها فهو كما تقول » « 3 » . أراد ( ع ) بالقلب : اللحم الصنوبري المعروف ، ولهذا جعله مأكولا وظاهر أنه لا يصح أن يعرف به ملكوت السّماوات والأرض كما لا يصح أن يعرف بالبصر لأنهما من عالم الملك فكيف يعرف بهما الملكوت ، فالخطاب خاص بمن لا يتجاوز درجة الحسّ والمحسوس من أفراد بني آدم المشار إليهم بقوله تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
، فأما من جاوزها منهم وبلغ إلى درجة العقل والمعقول وهم أصحاب القلوب الملكوتية المشار إليهم بقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
« 4 » ، فلهم أن يعرفوا بقلوبهم ملكوت السماوات والأرض ، لأن قلوبهم من الملكوت ، ولهذا حث اللّه تعالى على النظر في الملكوت في غير موضع من كتابه . قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
« 5 » وقال تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
« 6 » إلى غير ذلك من الآيات بلى إن
هامش
( 1 ) الفسحة بالضم : السعة وفي الحديث : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما . ومعناه : لا يزال المؤمن في سعة من دينه يرجى له الرحمة ولو باشر الكباير سوى القتل فإذا قتل آيس من رحمته ، وهو تغليظ شديد ، وقيل معناه أنه : لا يزال موفقا للخيرات ما لم يصبه فإذا أصابه انقطع عنه التوفيق بشومة . م . ( 2 ) مصباح الشريعة 113 ( 3 ) التوحيد : ص 455 ( 4 ) سورة ق : الآية 37 ( 5 ) سورة الأعراف : آية 185 ( 6 ) سورة الأنعام : آية 75