يقدمون ولا يحجمون « 1 » إلا بعد التثبت ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة ، فإنهم يرون اللّه مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة .
فانّ العبد لا يخلو اما أن يكون في طاعة أو معصية أو مباح فمراقبته في الطاعة بالاخلاص ، والاكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات ، ومراقبته في المعصية بالتوبة والنّدم والاقلاع والحياء والاشتغال بالتكفير ، ومراقبته في المباح بمراعاة الأدب بأن يقعد مستقبل القبلة وينام على اليد اليمنى مستقبلا إلى غير ذلك .
فكل ذلك داخل في المراقبة وبشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها وبالصبر على البلاء فان لكل ذلك حدودا لا بدّ من مراعاتها بدوام المراقبة ومن يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه « 2 » .
الباب الثالث في التفكر والتدبّر
قال اللّه تعالى :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
« 3 » وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 4 » وقال النبي ( ص ) :
هامش
( 1 ) اجحم عن الشيء كفت عنه ، مثل أحجم . م .
( 2 ) وحاصل الكلام في المحاسبة والمراقبة : أن يعلم أن العقل بمنزلة تاجر في طريق الآخرة والنفس شريكه فكما ان التاجر يشارط شريكه أولا ؛ ويراقبه نانيا ، فان قصر في التجارة بالخيانة والخسران يعاتبه ويعاقبه رابعا ويأخذ منه الغرامة كذلك العقل يحتاج في مشاركة النفس إلى هذه الاعمال فأولها المشارطة وهي ان يشارط النفس ويأخذ منها العهد والميثاق في كل يوم وليلة أن لا يرتكب المعاصي ولا يصدر منها شيء يوجب سخط اللّه ولا يقصر في شيء من الطاعات الواجبة .
وثانيها المراقبة وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الاعمال فيلاحظها بالعين الكالئة ، ثم يراقب اللّه في كل حركة وسكون فإنه تعالى كما قيل :شهيد علينا من رجونا شهوده * رقيب علينا من بغونا وفودهوثالثها المحاسبة وهي أن يطالب النفس ويحاسبها في آخر النهار على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في آخر كل سنة مع الشركاء .
ورابعها المعاتبة والمعاقبة فإنه إذا حاسب نفسه فوجدها خائنة في الاعمال مرتكبة للمعاصي مقصرة في حقوق اللّه فلا ينبغي ان يهملها بل اللازم حينئذ أن يعاتبها ويعاقبها ويكلفها الطاعات الشاقة ويلزمها الرياضات الشديدة إذ لو اهملها سهل عليه مقارفة المعاصي وانس بها بحيث يعسر بعد ذلك فطامها عنها ، فهذا ملخص الكلام في هذا الباب والمصنف « قد » في المحجة وكذا الغزالي في الاحياء جعلها ستة فجعل الرابعة المعاقبة ، ثم المجاهدة ، ثم المعاتبة ، واللّه الموفق والمعين .
( 3 ) سورة آل عمران : آية 191
( 4 ) سورة محمد : آية 24