تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وإذا تفكر في صفات اللّه تعالى وأفعاله من لطفه بعباده واحسانه إليهم بسوابغ النعماء وبسطه الآلاء والتكليف دون الطاقة والوعد لعمل قليل بثواب جزيل وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما إلى غير ذلك يدعوه ذلك لا محالة إلى البرّ والعمل به والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي . وهذا تفكر المتوسّطين وإليه الإشارة بقول الرضا ( ع ) : « ليس العبادة كثرة الصّلاة والصّوم إنما العبادة التفكر في امر اللّه » « 1 » وسئل الصادق ( ع ) « عما يروي الناس أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة كيف نتفكر ؟ قال : تمر بالخربة مرة أو بالدار فتقول : أين ساكنوك ؟ أين بانوك ؟ ما لك لا تتكلمين » « 2 » . وهذا التفكر المفسّر به الحديث النبوي ( ص ) دون الأولين في الفضل ، ولعل الحديث النبوي أعم منه وإنما فسره الصادق ( ع ) على قدر مرتبة المخاطب ، فان تفكر كلّ أحد إنما يكون بحسب فهمه ورتبته ، وقد أوردنا مجاري التفكر بتفاصيلها في كتابنا الموسوم بعلم اليقين من أرادها رجع إليها « 3 » .

الفصل الأول الاتعاظ بما مضى من الدنيا

في مصباح الشريعة قال الصادق ( ع ) : « اعتبروا بما مضى من الدنيا هل يبقى على أحد وهل فيها باق من الشريف والوضيع والغني والفقير والولي والعدّو ؟ وكذلك ما لم يأت منها بما مضى أشبه من الماء بالماء ، وقال رسول اللّه ( ص ) : كفى بالموت واعظا ، وبالعقل دليلا ، وبالتقوى زادا ، وبالعبادة شغلا ، وباللّه مؤنسا ، وبالقرآن بيانا قال ( ص ) : لم يبق من الدنيا
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 55 وتحف العقول ص 325 ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 54 ( 3 ) ومن مجاري التفكر قول النبي ( ص ) كما في المحجة والاحياء : ان روح القدس نفث في روعي : أحبب ما « من خ » أحببت فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزى به فان هذه الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين ، وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر ، إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحالت بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية « أقول » : ومن مجاري التفكر أيضا قول الشاعر :روزها فكر من اينست همه شب سخنم * كه جرا غافل از أحوال دل خويشتنماز كجا آمده‌ام آمدنم بهر جه بود * بكجا ميروم آخر ننمائى وطنممرغ باغ ملكوتم نيم از عالم خاك * دو سه روزى قفسى ساخته‌اند از بدنممن بخود نامدم اينجا كه بخود باز روم * آنكه آورد مرا باز برد بر وطنم