الفصل الثاني مراقبة العبد لنفسه
ينبغي للعبد أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال ويلاحظها بالعين الكالية فإنها إن تركت طغت وفسدت ، ثم يراقب اللّه في كل حركة وسكون ، وذلك بأن يعلم بأن اللّه مطلع على الضمائر عالم بالسراير رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سرّ القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشد من ذلك قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
« 1 » وقال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
« 2 » .
وقال النبي ( ص ) : « الاحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 3 » وحكي إن زليخا لما خلت بيوسف فقامت فغطت وجه صنمها فقال يوسف : ما لك أتستحيين من مراقبة جماد ولا استحيي من مراقبة الملك الجبار « 4 » .
وفي الحديث القدسي « إنما يسكن جنات عدن الذين إذا همّوا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني والذين انحنت أصلابهم من خشيتي وعزّتي وجلالي إنّي لاهّم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب » « 5 » .
فهذه المعرفة إذا صارت يقينا يعني أنها إذا خلت من الشكّ ثم استولت بعد ذلك على القلب استجرت القلب وقهرته على مراعاة جانب الرّقيب وصرفت الهمة إليه .
والموقنون بهذه المعرفة مراقبتهم على درجتين إحداهما مراقبة المقربين ، وهي مراقبة التعظيم والاجلال ، وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متّسع للالتفات إلى الغير ، وهذا هو الذي صار همّه همّا واحدا وكفاه اللّه ساير الهموم والثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب يقين اطلاع اللّه على ظواهرهم وبواطنهم ولكن لم يدهشهم ملاحظة الجمال والجلال بل بقيت قلوبهم على حدّ الاعتدال متسعة للتلفت « 6 » إلى الأحوال والأعمال والمراقبة فيها وغلب عليهم الحياء من اللّه فلا
هامش
( 1 ) سورة العلق : آية 14
( 2 ) سورة النساء : آية 1
( 3 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 363
( 4 ) وحكي عن بعض الاحداث انه راود جارية عن نفسها ليلا فقالت ألا تستحيي ؟ فقال : ممن استحيي وما يرانا الا الكواكب ، فقالت : وأين مكوكبها ؟ .
( 5 ) المحجة ج 8 ص 159 .
( 6 ) قوله تعالىلِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِناأي تصرفنا عنها من قولهم لفت وجهه لفتا صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال . م .