السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي سيئاته .
وقال الصّادق ( ع ) : « إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربّه شيئا إلا أعطاه فليأس من النّاس كلهم ولا يكون له رجاء إلّا من عند اللّه ، فإذا علم اللّه ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فان للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة ثمّ تلا
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
« 1 » » « 2 » .
فتفريع المحاسبة على الأمر باليأس من النّاس والرّجاء من اللّه يدل على أن الانسان إنما يرجو الناس من دون اللّه في عامة أمره وهو غافل عن ذلك وأن عامة المحاسبات إنما ترجع إلى ذلك وذكر الوقوف في مواقف القيامة بعد الأمر بمحاسبة النفس يدل على أن الوقفات هناك إنما تكون للمحاسبات ، فمن حاسب نفسه في الدّنيا يوما فيوما لم يحتج إلى تلك الوقفات في ذلك اليوم قال اللّه تعالى :
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
« 3 » .
وورد في الخبر ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات « 4 » ساعة يحاسب فيها نفسه ، وفي مصباح الشريعة قال الصّادق ( ع ) : « لو لم يكن للحساب مهولة « مهول خ » إلا حياء العرض على اللّه تعالى وفضيحة هتك السّتر على المخفيات لحقّ للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي إلى عمران ولا يشرب ولا ينام إلا عن اضطرار متّصل بالتّلف ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وشدايدها قائمة في كلّ نفس ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة كأنه إلى عرصاتها مدعوّ وفي غمراتها مسؤول ، قال اللّه تعالى :
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
« 5 » » « 6 » .
الفصل الأول معنى المحاسبة
معنى المحاسبة أن يطالب نفسه أولا بالفرايض التي هي بمنزلة رأس ماله فان أدتها على وجهها شكر اللّه تعالى عليه ورغبها في مثلها ، فان فوتتها من أصلها طالبها بالقضاء ، فانّ أدّتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل ، وإن ارتكبت معصية اشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها واستوفى
هامش
( 1 ) سورة المعارج : آية 4
( 2 ) الكافي : ج 8 ص 143
( 3 ) سورة الحشر : آية 18
( 4 ) ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر في صنع اللّه ، وساعة للمطعم والمشرب .
( 5 ) سورة الأنبياء : آية 47
( 6 ) مصباح الشريعة : ص 85