ولكلّ واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى أمره وذلك يطول شرحه ههنا .
فاما توبة العام فان يغسل باطنه من الذّنوب بماء الحسرة والاعتراف بجنايته دائما واعتقاد الندم على ما مضى والخوف على ما بقي من عمره ولا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل ويديم البكاء والأسف على ما فاته من طاعة اللّه ويحبس نفسه من الشهوات ، ويستغيث إلى اللّه ليحفظه على وفاء توبته ويعصمه من العود إلى ما سلف ويروض نفسه في ميدان الجهاد والعبادة ، ويقضي الفوايت من الفرايض ويردّ المظالم ويعتزل قرناء السّوء ويسهر ليله ويظمأ نهاره ، ويتفكر دائما في عاقبته ويستعين باللّه سائلا منه الاستقامة في سرّائه وضرّائه ، ويثبت عند المحن والبلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين ، فانّ في ذلك طهارة من ذنوبه وزيادة في عمله ورفعة في درجاته قال اللّه :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
« 1 » » « 2 » .
الباب الثاني في المحاسبة والمراقبة
قال اللّه تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
« 3 » وقال اللّه تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
« 4 » وقال :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
« 5 » وقال :
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 6 » وقال :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
« 7 » وقال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
« 8 » .
فعرف أرباب البصاير من جملة العباد أن اللّه تعالى لهم بالمرصاد وأنّهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذّر من الخطرات واللحظات وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات ، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه وحضر عند
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : آية 3
( 2 ) مصباح الشريعة : ص 97
( 3 ) سورة الأنبياء : آية 47
( 4 ) سورة الكهف : آية 49
( 5 ) سورة المجادلة : آية 6
( 6 ) سورة الزلزلة : آية 6 / 8
( 7 ) سورة آل عمران : آية 30
( 8 ) سورة البقرة : آية 235