ولا بد أن يكون عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
« 1 » ومعناه عن قرب عهد به قال :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
« 2 » قال الصادق ( ع ) : « ذلك إذا عاين أمر الآخرة » « 3 » .
وذلك لأن التوبة مقبولة ، قبل أن يعاين كما ورد عن رسول اللّه ( ص ) ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين أحدهما أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو والثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ولذلك ورد في الخبر : « أن أكثر صياح أهل النّار من التسويف » .
الفصل الثالث كل توبة صحيحة مقبولة
اعلم انك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كلّ توبة صحيحة فهي مقبوله فالنّاظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم مقبول عند اللّه ومتنعم في الآخرة في جوار اللّه ، وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل وكل مولود يولد على الفطرة وإنما يفوته السّلامة بكدورة ترهق « 4 » وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وأن نار النّدم تحرق تلك الغبرة ، وان نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وانه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون والماء الحار إلا أن يتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا .
وهذا مثل أن يغوص « 5 » الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب وإن قال بلسانه : تبت وهذا البيان كاف لقبول التوبة المتضمنة لشروطها قال اللّه تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
« 6 » وقال :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
« 7 » .
وقال النبي ( ص ) : « إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ » « 8 » وقال : « لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب اللّه عليكم » « 9 » .
هامش
( 1 ) سورة النساء : آية 17
( 2 ) سورة النساء : آية 18
( 3 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 79
( 4 ) قوله تعالى :وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌأي تغشاهم ومثله قوله تعالى :تَرْهَقُها قَتَرَةٌأي تغشاها غبرة . م .
( 5 ) غاص في المعاني إذا بلغ أقصاها حتى استخرج ما تعد منها . م .
( 6 ) سورة النساء : آية 18
( 7 ) سورة غافر : آية 3
( 8 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 14
( 9 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 14