تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله وغريزته التي هي عدة للشيطان متقدّمة على غريزته التي هي عدّة للملائكة فكان الرجوع عمّا سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريّا في حق كل انسان . وأما بيان وجوبها على الدّوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه فان خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهمّ بالذنوب بالقلب فان خلا عن الهمّ فلا يخلو عن وسواس الشيطان بايراد الخواطر المذهلة عن ذكر اللّه ، فان خلا منه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم باللّه وبصفاته وبآثاره بحسب طاقته . وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بتشاغل أضدادها رجوع عن طريق إلى ضدّه ، والمراد بالتوبة الرّجوع ولا يتصرو الخلوّ في حق الادمّي عن هذا النقص وإنما يتفاوتون في المقادير وأما الأصل فلا بد منه إلّا أن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ليس ذنوبهم كذنوبنا وإنما هي ترك دوام الذكر والاشتغال بالمباحات وحرمانهم زيادة الأجر بسبب ذلك . قال الصادق ( ع ) : « إن رسول اللّه ( ص ) كان يتوب إلى اللّه ويستغفره في كل يوم وليلة مأة مرة من غير ذنب إن اللّه يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب » « 1 » ، يعني من غير ذنب كذنوبنا ، فان ذنب كل أحد إنما هو بحسب قدره ومنزلته عند اللّه . ثم اعلم أنه لا يكفي في تدارك الشهوات تركها في المستقبل بل لا بدّ من محو آثارها التي انطبعت في القلب بنور الطاعات قال النبي ( ص ) : « اتبع السّيئة بالحسنة تمحها » « 2 » . وينبغي أن تكون الحسنة الماحية للسّيئة مناسبة لتلك السّيئة فيكفر سماع الملاهي بسماع القرآن وبحضور مجالس الذّكر ، ويكفر القعود في المساجد جنبا بالعبادة فيه إلى غير ذلك وليس ذلك شرطا . وقد روي أن رجلا قال لرسول اللّه ( ص ) : « اني عالجت امرأة فأصبت منها كل شيء إلا المسيس فاقض علي بحكم اللّه ، فقال : أما صليت معنا ؟ فقال : بلى ، فقال : إن الحسنات يذهبن السّيئآت » « 3 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 450 ( 2 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 11 ( 3 ) أخرجه البخاري : ج 6 ص 94 من حديث ابن مسعود .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 293 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى