تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
لقاء اللّه إلا اتّباع الشهوات والانس بهذا العالم الفاني والاكباب على حبّ ما لا بد من فراقه قطعا ، وعلم أنه لا مقرّب من لقاء اللّه إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم والاقبال بالكلية على اللّه طلبا للانس به بدوام ذكره وللمحبّة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته ، وعلم أن الذنوب التي هي اعراض عن اللّه واتباع لمحاب الشّياطين أعداء اللّه المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللّه . وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التفصيّ عن عهدته ما لم يصر باعثا فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الايمان . وهو المراد بقول النبي ( ص ) : « لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن » « 1 » ، وما أراد به نفي الايمان باللّه وبوحدانيته وصفاته وكتبه ورسله فان ذلك لا ينافي الزنا والمعاصي ، وإنما أراد به نفي الايمان بكون الزنا مبعدا عن اللّه وموجبا للمقت ، وليس الايمان بابا واحدا بل هو كما ورد نيف وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . ومثاله قول القائل ليس الانسان موجودا واحدا بل هو نيّف وسبعون موجودا أعلاها القلب والرّوح وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب ومقلوم الأظفار نقي البشرة عن الخبث حتى يتميز عن البهايم المرسلة المتلوثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظفارها . فالايمان كالانسان وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية كفقد الروح والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرّسالة هو كانسان مقطوع الأطراف مفقوء « 2 » العينين فاقد لجميع أعضائه الظاهرة والباطنة إلا أصل الروح . وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فيزايله الرّوح الضّعيفة المنفردة التي يتخلّف عنها الأعضاء التي تمدّها وتقوّيها ، فكذلك من ليس له إلا أصل الايمان وهو مقصر في الاعمال قريب من أن ينقطع عنه شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للايمان في مقدّمة قدوم ملك الموت ووروده .
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين ج 4 ص 8 ورواه الترمذي ج 10 ص 91 من حديث أبو هريرة ( 2 ) فقا الدمل : شقه ليخرج ما فيه من المدة والعين قلعها بخقها أي عورها . المنجد « أقول » ومنه الحديث كما في مجمع البحرين : لو كان رجلا اطلع في بيت قوم ففقأ أعينه لم يكن عليهم شيء
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 291 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى