تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
فكل ايمان لم يثبت في النفس أصله ولم ينتشر في الاعمال فروعه لم يثبت على عواصف « 1 » الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة إلا ما سقي بماء الطاعات على توالي الأيام والساعات حتى رسخ وثبت فهذا امر يظهر عند الخاتمة وإنما تقطعت نياط العارفين خوفا من دواهي الموت ومقدماته الهايلة التي لا يثبت عليها إلا الأقلون .

الفصل الثاني عمومية وجوب التوبة

اعلم أن وجوب التوبة عام في الاشخاص والأحوال فلا ينفك أحد عنه البتة قال اللّه تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
« 2 » فعمّم الخطاب ، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه إذ معنى التوبة الرّجوع عن الطريق المبعد عن اللّه تعالى المقرب إلى الشيطان ولا يتصوّر ذلك إلا من عاقل ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال الشهوة والغضب وساير الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى اغواء الانسان . إذ كمال العقل إنّما يكون عند مقاربة الأربعين وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ ومباديه تظهر بعد سبع سنين ، والشهوات جنود الشيطان والعقول جنود الملائكة وإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضّرورة إذ لا يثبت أحدهما للاخر فإنهما ضدّان فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار وبين النور والظلمة ومهما غلب أحدهما أزعج الاخر بالضرورة . وإذ كانت الشهوات تكمل في الصبى والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به انس والف لا محالة بمقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه وتعسّر عليه النزوع عنه . ثم يلوح العقل الذي هو حزب اللّه ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج ، فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان وانجز اللعين موعوده حيث قال :
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
« 3 » وإن قوي العقل وكمل كان أول شغله قمع جنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات ورد الطبع على سبيل القهر والغلبة إلى العبادات ولا معنى للتوبة إلا هذا وهو الرجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره « 4 » الشيطان إلى طريق اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) عصفت الريح : اشتدت فهي عاصفة والجمع عاصفات وعواصف ( 2 ) سورة النور : آية 31 ( 3 ) سورة الإسراء : آية 62 ( 4 ) الخفير : المجير ومنه الحديث : الحمد للّه حمدا يكون خفيرا لي من نقمته أي حافظا ومجيرا لي من انتقامه وعذابه م .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 292 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى