المقالة السادسة في ساير الأعمال الصّالحة وفيها خمسة أبواب .
الباب الأول في التوبة
في التوبة وهي تبرأه القلب عن الذنب والرّجوع من البعد إلى القرب وبعبارة أخرى ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير ، وهي فرض على كل حال وعلى الفور ومن شرطها أن تكون للّه لا لمال أو جاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب ، وأن يتندم ، أما الندم أعني تألم القلب وحزنه على الذنب الذي هو روح التوبة فغير مقدور وهو التوبة حقيقة ، إنما المقدور تحصيل أسبابه من العلم والايمان وتحقيقها في قلبه .
قال النبي ( ص ) : « الندم توبة » « 1 » إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه واثمره وعن عزم يتبعه ويتلوه ، فيكون الندم محفوفا بطرفيه أعني ثمره ومثمرة والطريق إليها ذكر ما ورد في فضلها والعلم بقبح الذنوب وشدّة العقوبة وضعف النفس عن الاحتمال وشرف الآخرة وخساسة الدنيا وقرب الموت ولذة المعرفة والمناجاة الممتنعة مع الاصرار ، وخوف الاملاء بعدم الأخذ الحالي والاستدراج بالاحسان وقلع أسباب الاصرار وهي الغرور وحبّ الدّنيا وطول الأمل .
قال اللّه تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 2 » وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
« 3 » الآية ، ومعنى النّصوح الخالص للّه خاليا عن الشوايب وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
« 4 » .
وقال رسول اللّه ( ص ) : « التائب حبيب اللّه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 5 » وقال
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 4 وتحف العقول : ص 45 والعوالي : ج 1 ص 292
( 2 ) سورة النور : آية 31
( 3 ) سورة التحريم : آية 8
( 4 ) سورة البقرة : آية 222
( 5 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص