الفصل الثالث فيما يجب ان يشعر به المرء عند أو ان مناسك الحج
وأما السّعي بين الصفا والمروة في فناء البيت فيضاهي تردّد العبد بفناء دار الملك جائيا وذاهبا مرّة بعد أخرى إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرّحمة ، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي الملك في حقه من قبول أوردّ .
وأما الوقوف في العرفات فليتذكر بما يرى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات واختلاف اللغات واتباع الفرق أئمتهم في التردّدات على المشاعر عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة عليهم السّلام واقتفاء كل أمة نبيّها وطمعهم في شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرّد والقبول .
فإذا تذكر ذلك فليلزم قلبه الضّراعة « 1 » والابتهال إلى اللّه ليحشر في زمرة الفائزين المرحومين وليتحقق رجاؤه بالإجابة ، فالموقف شريف والرّحمة انما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض ولا ينفك الموقف عن طبقة من الصّالحين وأرباب القلوب ، فإذا اجتمعت همّتهم وتجرّدت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى اللّه أيديهم وامتدّت إليه أعناقهم وشخصت نحو السّماء أبصارهم مجتمعين بهمّة واحدة على طلب الرحمة فبعيد أن يخيب أملهم ويضيع سعيهم ، ولذلك قيل : من أعظم الذّنوب أن يحضر عرفات ويظن أن اللّه لم يغفر له .
وأمّا الوقوف بالمشعر فليستحضر أنّه قد أقبل عليه مولاه بعد أن كان مدبرا عنه طاردا له عن بابه فأذن له في دخول حرمه ، فان المشعر من جملة الحرم وعرفات خارجة عنه فقد أشرف على باب الرّحمة وهبت « 2 » عليه نسمات الرأفة وكسى خلع القبول بالاذن في دخول حرم الملك .
وأما رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وانتهاضا « 3 » لمجرّد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس ، ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم ( ع ) حيث عرض له إبليس في هذا الموضع ليدخل على حجّه شبهة أو فتنة فأمره اللّه أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله وليعلم أنه في الظاهر يرمي الحصا إلى الجمار وفي الحقيقة يرمي به وجه الشيطان ويقصم به ظهره إذ لا يحصل ارغام أنفه إلا بامتثال أمر اللّه تعظيما بمجرّد الأمر من غير حظ العقل فيه .
هامش
( 1 ) ضرع ضراعة : ذل وخضع
( 2 ) هبت الرياح اي هاجت وتحركت . م .
( 3 ) نهض نهوضا وانتهض : قام