وأما الاحرام والتلبية بالميقات ، فليعلم أنه إجابة نداء اللّه « 1 » فليرج أن يكون مقبولا وليخش أن يقال له لا لبّيك ولا سعديك ، وليكن بين الرجاء والخوف ، مترددا ومن حوله وقوته متبرئا وعلى فضل اللّه وكرمه متكلا ، فان وقت التلبية هو بداية الأمر وهو محل الخطر .
وقد ورد إن السجاد ( ع ) « لما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتقض ووقع عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له لم لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن يقول لي ربي لا لبيك ولا سعديك ، فلما لبّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه » « 2 » .
الفصل الثاني ما ينبغي للحاج إذا دخل مكة
وإذا دخل مكة فليتذكر عندها انه قد انتهى إلى حرم آمن ، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللّه وليخش أن لا يكون أهلا للقرب فيكون بدخول الحرم خائبا مستحقا للمقت ، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبا ، فان الكرم عميم ، وشرف البيت عظيم ، وحق الزاير مرعى ، وذمام « 3 » المستجير اللائذ غير مضيع .
وإذا وقع بصره على البيت فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في قلبه ويقدر كأنه مشاهد لربّ البيت لشدة تعظيمه ، وليرج أن يرزقه لقاءه كما رزقه لقاء البيت وليشكر اللّه على تبليغه إياه هذه الرتبة وإلحاقه إياه بزمرة الوافدين إليه .
وأما الطواف فإنه صلاة ، فليحضر قلبه فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما سبق في باب الصّلاة وليعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله ، ولا يظن أن المقصود طواف جسمه بالبيت بل المقصود طواف قلبه بذكر ربّ البيت حتى
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى لإبراهيم ( ع ) :وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
( 2 ) لم نجد هذا الحديث كما هو انما وجدنا حديث قريب منه في المستدرك ج 2 ص 119 وفيه : عن الأزدي أنه قال في حديث ولقد حججت معه اي الصادق ( ع ) سنة فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان كلما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد ان يخرّ من راحلته فقلت قل يا بن رسول اللّه ولا بدّلك من أن تقول فقال يا بن أبي عامر كيف اجسر ان أقول لبيك اللهم لبيك وأخشي ان يقول عز وجل لي لا لبيك ولا سعديك
( 3 ) الذمة والذمام : بمعنى العهد والأمان ، والضمان ، والحرمة ، والحق ، كذا عن النهاية .