لا يبتدئ الذّكر إلّا به ، ولا يختم إلّا به ، كما يبتدئ الطايف الطواف من البيت ويختم بالبيت .
وليعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الرّبوبية ، وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الملكوت كما أنّ البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له الباب .
وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السماوات بإزاء الكعبة وأن طواف الملائكة بها كطواف الانس بهذا البيت ، ولمّا قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبّه بهم بحسب الامكان ووعدوا بأن من تشبّه بقوم فهو منهم .
وأمّا استلام الحجر فليعلم أنه بمنزلة اليمين قال رسول اللّه ( ص ) : استلموا الرّكن فإنه يمين اللّه في خلقه يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدّخيل « 1 » ويشهد لمن استلمه بالموافاة .
أراد بالرّكن الحجر الأسود لأنه موضوع في الركن وإنّما شبّهه باليمين لأنه واسطة بين اللّه وبين عباده في النيل والوصول والتحبّب والرّضا كاليمين حين التصافح ، والدّخيل الملتجي .
قال الصّادق ( ع ) : « ان اللّه تبارك وتعالى لما أخذ مواثيق العباد أمر الحجر فالتقمها فلذلك يقال أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة « 2 » » « 3 » وقال ( ع ) : « الركن اليماني باب من أبواب الجنّة لم يغلقه اللّه منذ فتحه » « 4 » وقال ( ع ) : « الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنّة وفيه نهر من الجنة يلقى فيه أعمال العباد » « 5 » ، انما شبّهه بباب الجنّة لأن استلامه وسيلة إلى دخولها ، وبالنهر لأنه يغسل به الذّنوب .
وليكن نيّته عند الاستلام طلب القرب حبّا وشوقا للبيت ولربّ البيت وتبركا بالمماسة ورجاء للتحصن عن الناس في كل جزء لاقى البيت ، وليكن نيته في التعلق بأستار البيت الالحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرّع إليه في عفوه عنه المظهر أنه لا ملجأ له منه إلا اليه ، ولا مفزع له إلّا عفوه وكرمه ، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل .
هامش
( 1 ) دخيل الرجل : الذي يداخله في أموره ويختص به . م .
( 2 ) اي بالاتيان إليك واقراري بالعهد الذي أودعتك إياه ؛ من من وافيته موافاة أي أتيته .
( 3 ) العلل : ص 423
( 4 ) الكافي : ج 4 ص 409
( 5 ) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 134