الفصل التاسع التّبري
ومنها التّبري وأعني به أن يتبرّى عن حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصّالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك ، بل يشهد الموقنين والصّديقين فيها ويتشوق أن يلحقه اللّه بهم ، وإذا تلا آية المقت وذّم العصاة والمقصرين شهد نفسه هناك وقدر انه المخاطب خوفا وإشفاقا .
وإلى هذا أشار أمير المؤمنين ( ع ) في الخطبة التي يصف فيها المتقين بقوله : « وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أنّ زفير جهنّم في آذانهم » « 1 » .
فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه فان من شهد البعد في القرب لطف له بالخوف حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءها ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه .
ومهما كان شاهدا نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه وإذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا اللّه في قراءته انكشف له الملكوت بحسب أحواله ، فحيث يتلو آيات الرّحمة ويغلب على حاله الاستبشار ينكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها عيانا ، وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها .
وذلك لأن كلام اللّه يشتمل على السّهل اللطيف والشديد العسوف « 2 » والمرجوّ والمخوف ، وذلك بحسب أوصافه إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات ، وبحسب كل حالة منها يستعدّ للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها إذ يستحيل ان يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلف إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر لا يبالي وكلام حنان « 3 » متعطف لا يهمل .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 304 خطبة رقم 193 « صبحي الصالح » .
( 2 ) عسفه عسفا من باب خرب : أخذه بقوة والفاعل عسوف . م .
( 3 ) حنت على الشيء حنة وحنانا عطفت عليه وترحمت . م