الفصل الثامن الترقي
ومنها الترقي وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من اللّه تعالى لا من نفسه فدرجات القراء ثلاث أدناها أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على اللّه تعالى واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه ، فيكون حاله عند هذا التقدير السّؤال والتملق والتضرع والابتهال .
ثم إن يشهد بقلبه كان ربّه يخاطبه بألطافه ويناجيه بانعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والاصغاء والفهم .
ثم أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصّفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الانعام به من حيث إنه منعم عليه ، بل مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره ، وهذه درجة المقربين وما قبله من درجات أصحاب اليمين ، وما خرج عن هذا فهو من درجات الغافلين .
وعن الدرّجة العليا « 1 » اخبر الصادق ( ع ) فقال : « واللّه لقد تجلى اللّه لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون » « 2 » .
وقال أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصّلاة حتى خرّ مغشيا عليه فلما سرى عنه قيل له في ذلك فقال : « ما زلت اردّد هذه الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته » « 3 » وفي مثل هذه الدّرجة تعظم الحلاوة ولذة المناجاة .
ولذلك قال بعض الحكماء كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني اسمعه من رسول اللّه ( ص ) يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبرئيل ( ع ) يلقيه على رسول اللّه ( ص ) ، ثم جاد اللّه تعالى بمنزلة أخرى فانا الآن أسمعه من المتكلم به ، فعندها وجدت لذة ونعيما لا أصبر عنه .
هامش
( 1 ) وعن هذه الدرجة اخبر سيد الشهداء أرواحنا له الفداء حيث قال : الذي تجلى لعباده في كتابه بل في كل شيء ، وأراهم نفسه في خطابه بل في كل نور وفيء .
( 2 ) نقله الشهيد في أسرار الصلاة : ص 204 .
( 3 ) فلاح السائل : ص 107 .