وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
« 1 » فالاحسان يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن ، ولذلك قيل ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقلّ فرحه وكثر بكاؤه ضحكه وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته .
فتأثر العبد بالتلاوة ان يصير بصفة الآية المتلوة ، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضأل « 2 » من خيفته كأنه يكاد يموت ، وعند التوسيع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح ، وعند ذكر صفات اللّه تعالى وأسمائه يتطاطا خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته ، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على اللّه تعالى كذكرهم للّه ولدا وصاحبة يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالهم ، وعند وصف الجنّة ينبعث باطنه شوقا إليها ، وعند وصف النار ترتعد فرايصه خوفا منها .
فالقرآن إنما يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، وإلّا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة ، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بان يكون هو المراد بقوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
« 3 »
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
« 4 » وبقوله تعالى :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
« 5 » اي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فان المقصر في الامر يقال له إنه نسي الأمر .
وتلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب ، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتعاظ والتّأثر بالانزجار والايتمار ، فاللّسان واعظ والعقل مترجم والقلب متعظ .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : آية 56 .
( 2 ) في حديث جبرئيل : وانه ليتضأل من خشية اللّه ، أي يتصاغر تواضعا منه للّه تعالى يقال تضأل الشيء إذا تقبض وانضم بعضه إلى بعض . م .
( 3 ) الضنك : الضيق من كل شيء للمذكر والمؤنث يقال : مكان ضنك وعيشة ضنك المنجد .
( 4 ) سورة طه : آية 124 .
( 5 ) سورة طه : آية 126 .