ثانيها أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرّد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قد قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده ، فان لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه الشيطان التقليد حملة ، وقال كيف تخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك .
ثالثها ان يكون مصرا على ذنب أو متّصفا بكبر أو مبتلى على الجملة بهوى في الدّنيا مطاع ، فان ذلك سبب ظلمة القلب وصداه « 1 » وهو كالخبث على المرآة .
ولذلك قال النبي ( ص ) : « إذا عظمت أمتي الدينار والدّرهم نزع منها هيبة الاسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف حرموا بركة الوحي » « 2 » وقد شرط اللّه الإنابة في الفهم والتدكر قال :
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
« 3 » وقال :
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
« 4 » وقال :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 5 » والذي آثر غرور الدّنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب فلذلك لا ينكشف له أسرار الكتاب .
رابعها أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل وان ما وراء ذلك تفسير بالرأي وانّ من فسر القرآن برايه فقد تبوأ مقعده من النار ، وهذا لا يدري ما معنى التفسير بالرأي ولا يفهم معنى قول أمير المؤمنين ( ع ) : إلا أن يؤتى اللّه العبد فهما في القرآن ، وأنه لو كان هو الظاهر المنقول لما اختلف الناس فيه .
الفصل السادس التخصيص
ومنها التخصيص وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فان سمع أمرا أو نهيا قدر أنه هو المأمور والمنهي ، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمل ذلك ، وإن سمع قصص الأولين علم أن السمر « 6 » غير مقصود وانما المقصود الاعتبار وأخذ ما يحتاج إليه فما من قصة في القرآن
هامش
( 1 ) صدى الحديد صدء من باب تعب إذا علاه الجرب وفي الخبر : ان القلب يصدأ كما يصدأ الحديد أي يركبه الرين بمباشرة المعاصي والآثام فيذهب بجلائه . م .
( 2 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 251 .
( 3 ) سورة ق : آية 8 .
( 4 ) سورة غافر : آية 13 .
( 5 ) سورة الزمر : آية 9 .
( 6 ) سمر فلان إذا تحدث ليلا قوله تعالى : سامرا تهجرون اي متحدثين ليلا م .