تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
بأصوات يضعونها لايقة بها من النقر والصفر « 1 » والأصوات القريبة عن أصواتها التي تطيق حملها . وكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الرّوح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها . والكلام عالي المنزلة رفيع الدرّجة قاهر السّلطان نافذ الحكم في الحقّ والباطل ، وهو القاضي العادل والشاهد المرتضى يأمر وينهي ولا طاقة للباطل أن يقوم قدّام كلام الحكمة كمالا يستطيع الظل أن يقوم قدام الشمس ، ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم عين الشمس ، ولكنهم ينالون من عين الشمس ما تحيي به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم فقط .

الفصل الثالث التعظيم

ومنها التعظيم للمتكلم فالقارىء عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلّم ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلامه غاية الخطر فإنه تعالى قال :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 2 » وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا فباطن معناه أيضا بحكم عزّه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان منقطعا عن كلّ رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير وكما لا يصلح للمس جلد المصحف كلّ يد ، فلا يصلح لتلاوة حروفه كلّ لسان ولا لنيل معانيه كل قلب . ومنها حضور القلب وترك حديث النفس وهذا يتولد من التعظيم فان المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه ، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له فكيف يطلب الانس بالفكر في غيره ، وهو في متنزه ومتفرج والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها . ومنها التدبر وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على
هامش
( 1 ) نقر العود أو الدف : ضربه ليصوت . نقر فلان : قرع الابهام على الوسطى وصوت . وصفر صفيرا : صوت بالنفخ من شفتيه . صفر بالفرس عند وروده . دعاه ليشرب . المنجد . ( 2 ) سورة الواقعة : آية 79 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 253 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى