سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبّره ، والمقصود من القراءة التدبّر قال اللّه تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 1 » ولذلك سنّ فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر تمكن من التدبر في الباطن .
قال أمير المؤمنين ( ع ) : « لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبّر فيها » « 2 » وإذا لم يتمكن من التدبر إلّا بالترديد فليردّد ، وعن أبي ذر ( رض ) قال : « قام بنا رسول اللّه ( ص ) فقام ليلة بآية يردّدها
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 3 » » « 4 » .
الفصل الرابع التفهم
ومنها التفهم وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات اللّه تعالى وذكر أفعاله وذكر أحوال أنبيائه وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره ، وذكر الجنة والنار .
أمّا صفات اللّه فكقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 5 » وكقوله :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ
« 6 »
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
« 7 » فليتأمل معاني هذه الصّفات والأسماء لينكشف له أسرارها ، فتحتها معان مدفونة لا ينكشف إلّا للموفقين .
وإليه أشار أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : « ما أسر إليّ رسول اللّه ( ص ) شيئا أكتمه من الناس إلّا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في كتابه فليكن حريصا على طلب ذلك الفهم » « 8 » .
وأما أفعاله كذكره خلق السّماوات والأرض وغيرهما فليفهم التالي منها صفات اللّه وجلاله إذ الفعل يدلّ على الفاعل فيدلّ عظمته على عظمته ، فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، فمن عرف الحقّ رآه في كلّ شيء إذ كلّ شيء منه وإليه وبه وله ، ومن لا يراه في كلّ
هامش
( 1 ) سورة محمد : آية 24 .
( 2 ) تحف العقول : ص 144 .
( 3 ) سورة المائدة : آية 118 .
( 4 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 249 .
( 5 ) سورة الشورى : آية 11 .
( 6 ) المهيمن من أسمائه تعالى معناه : القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم وقيل الرقيب على كل شيء . وقيل الأمين الذي لا يضيع لاحد عنده حق . م .
( 7 ) سورة الحشر : آية 23 .
( 8 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 250 .