أما الذكر فالنافع منه هو الذكر على الدوام أو في أكثر الأوقات مع حضور القلب وهو غاية ثمرة العبادات ، وللذكر أول وآخر ، فأوّله يوجب الانس والحب وآخره يوجبه الانس والحب والمطلوب منه ذلك الانس ، فان العبد في بداية الأمر يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوساوس إلى ذكر اللّه تعالى فان وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ومن أحبّ شيئا أكثر ذكره ومن أكثر ذكر شيء وإن كان متكلفا أحبّه .
ثم إذا حصل الانس بذكر اللّه تعالى انقطع عن غير اللّه ، وما سوى اللّه يفارقه عند الموت ولا يبقى إلا ذكر اللّه فإن كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوايق الصارفة عنه إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عن ذكر اللّه ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلص من السّجن الذي كان ممنوعا فيه عمّا به انسه .
وهذا الانس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار اللّه ويترقى من الذكر إلى اللقاء .
وأما « الدعاء فهو مخ « 1 » العبادة » « 2 » كما ورد في الحديث النّبوي ( ص ) ، وعن الباقر ( ع ) في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
« 3 » قال : هو الدعاء ، وأفضل العبادة الدعاء » « 4 » .
وقال في قوله تعالى : «
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
« 5 » قال : الأواه هو الدّعّاء » « 6 » وسئل ( ع ) أيّ العبادة أفضل ؟ فقال : ما من شيء أفضل عند اللّه من أن يسأل ويطلب ما عنده وما من أحد أبغض إلى اللّه ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده » « 7 » .
وقال أمير المؤمنين ( ع ) : « أحب الأعمال إلى اللّه تعالى في الأرض الدعاء ، وكان ( ع )
هامش
( 1 ) المخ : خالص كل الشيء « المنجد » وفي الحديث الدعاء مخ العبادة لأنه أصلها وخالصها لما فيه من امتثال امر اللّه تعالى يقول« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »ولما فيه من قطع الامل عما سواه ، ولأنه إذا رأى نجاح الأمور من اللّه تعالى قطع نظره عمن سواه ودعاه لحاجته وهذا هو أصل العبادة ، ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء .
( 2 ) ارشاد القلوب : ص 148 وعدة الداعي ص 29 .
( 3 ) سورة غافر : آية 60 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 466 وعدة الداعي ص 39 .
( 5 ) سورة التوبة : آية 114 .
( 6 ) الكافي : ج 2 ص 466 وعدة الداعي ص 39 .
( 7 ) الكافي : ج 2 ص 466 ومكارم الأخلاق : ص 268 وعدة الداعي ص 39 .