وأكده بالتكرار ، فان المرة الواحدة ضعيفة الآثار ، فان رق قلبك وطهر لبك « 1 » فليصدق رجآؤك في رحمة ربك فان رحمته تتسارع إلى الضعف والذّل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك ومستغفرا من ذنوبك .
ثم اكد التواضع بالتكرار وعد إلى السجود ثانيا كذلك .
وعن أمير المؤمنين ( ع ) « أنه سئل ما معنى السجدة الأولى ؟ قال : تأويلها اللهم إنك منها خلقتنا ، يعني من الأرض وتأويل رفع رأسك ، ومنها أخرجتنا ، والسجدة الثانية وإليها تعيدنا ، ورفع رأسك ، ومنها تخرجنا تارة أخرى » « 2 » .
وفي مصباح الشريعة قال الصّادق ( ع ) : « ما خسر واللّه من أنى بحقيقة السّجود ولو كان في العمر مرّة واحدة ، وما أفلح من خلا بربّه في مثل ذلك الحال تشبّها بمخادع نفسه غافل لاه « 3 » عمّا أعد اللّه للسّاجدين من انس العاجل وراحة الاجل ولا بعد عن اللّه أبدا من أحسن تقربه في السّجود ولا قرب إليه أبدا من أساء أدبه وضيّع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده متواضع للّه ذليل علم أنه خلق من تراب تطؤه الخلق وأنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد .
وقد جعل اللّه معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسّر والروح فمن قرب منه بعد من غيره ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري من جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون ، كذلك أمر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشيء دون اللّه فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد اللّه منه في صلاته قال اللّه تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 4 » .
وقال رسول اللّه ( ص ) : « قال اللّه تعالى لا أطلع على قلب عبدي فأعلم فيه حبّ الاخلاص لطاعة وجهي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته ، ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه مكتوب اسمه في ديوان الخاسرين » « 5 » .
هامش
( 1 ) اللب بتشديد الباء الموحدة العقل ، سمي بذلك لأنه نفس ما في الانسان وما عداه فكأنه قشر . م .
( 2 ) علل الشرائع : ص 336 .
( 3 ) لاه أي ساه قال تعالى : لاهية قلوبهم ، أي ساهية غافلة مشغولة بالباطل عن الحق وتذكره .
( 4 ) سورة الأحزاب : آية 4 .
( 5 ) مصباح الشريعة : ص 91 .