تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
لتمتنع عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن معاني القرآن فهو وسواس فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود المعاني . وأما القراءة فالناس فيها ثلاثة : رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيسمع ويفهم منه كأنه يسمعه من غيره وهو درجة أصحاب اليمين ، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه ، ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون ألسنتهم ترجمان تتبع القلب .

الفصل الثالث عشر قراءة الحمد والسورة

وإذا قلت : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فانوبه التبرّك لابتداء القراءة لكلام اللّه وافهم أن معناه أن الأمور كلها باللّه وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى وإذا كانت الأمور باللّه فلا جرم كان الحمد للّه ومعناه أن الشكر للّه إذ النعم من اللّه ومن يرى من غير اللّه نعمة أو يقصد غير اللّه بشكره لا من حيث أنّه مسخر من اللّه ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير اللّه . فإذا قلت : الرحمن الرّحيم فاحضر في قلبك أنواع لطفه لتنفتح لك رحمة فينبعث به رجاءك . ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك : مالك يوم الدين ، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له ، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه . ثم جدد الاخلاص بقولك : إياك نعبد ، وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك : وإياك نستعين وتحقق أنه ما تيسرّت طاعتك إلا باعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته وتخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين . ثم إذا فرغت عن التفويض بقولك بسم اللّه وعن التحميد وعن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعيّن سؤلك ولا تطلب إلا أهمّ حاجاتك وقل : إهدنا الصّراط المستقيم ، الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذي أنعم عليهم نعمة الهداية من النبيين والصّديقين والشهداء والصالحين ، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصّائبين .