تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وأمّا الأسباب الباطنة فهي أشدّ فان من تشعبت الهموم به في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا يغنيه فان ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل . فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعدّ له قبل التحريم بان يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي اللّه وهول المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصّلاة عما يهمّه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره ، فهذا طريق تسكين الافكار . فإن كان لا تسكن أفكاره بهذا الدواء فلا ينجيه إلّا المسهل الذي يقمع « 1 » مادّة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الشّاغلة الصارفة له عن احضار القلب ولا شك في أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمّة بشهواته فليعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلايق فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضدّ دينه وجند إبليس عدوّه ، فامساكه أضرّ عليه من إخراجه فيتخلص عنه باخراجه ولا يغني غير ذلك ، فانّ ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرّد إلى فهم الذكر إنما ينفع في الشهوات الضعيفة والهم التي لا تشتغل إلّا حواشي القلب . فاما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع معها التسكين بل لا يزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وينقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة . ومثاله مثال رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تشوّش عليه فلم يزل يطردها ( يطيرها خ ل ) بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره فيعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة فقيل له إن هذا سير السّواني ولا ينقطع فان أردت الخلاص فاقطع الشجرة . فكذلك شجرة الشهوة إذا استعلت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار ، والشغل يطول في دفعها فانّ الذّباب كلما ذبّ آب « 2 » ، ولأجله سمّي ذبابا ، فكذلك الخواطر وهذه الشهوات كثيرة قلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حبّ الدنيا ، وذلك رأس كلّ خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد . ومن انطوى باطنه على حبّ الدّنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزوّد منها ويستعين بها
هامش
( 1 ) قمعه كمنعه : قهره وذلله ق . ( 2 ) الذب : الطرد ، والاوب : الرجوع .