تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وعده الجنّة بالصّلاة ، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة . وأمّا الحياء فباستشعار التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق اللّه ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخلتها « 1 » وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعاله مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال اللّه ، والعلم بأنه مطلع على السّريرة وخطرات القلب وإن دقت وخفيت ، وهذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث فيها بالضرورة حالة تسمى الحياء .

الفصل الثالث احضار القلب في الصلاة

اعلم أن المؤمن لا بد وأن يكون معظما للّه وخائفا منه وراجيا ومستحييا من تقصيره فلا ينفك من هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه ، فانفكاكه عنها في الصّلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسّم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصّلاة ولا يلهي عن الصّلاة إلا الخواطر الرّدية الشاغلة . فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه وسبب توارد الخاطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فان ذلك قد يختطف « 2 » الهم حتّى يتبعه ويتصرّف فيه ؛ ثم ينجر منه الفكر إلى غيره ويتسلسل ويكون الابصار سببا للافتكار ثم يصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض ومن قويت رتبته وعلت همّته لم يلهه ما يجري على حواسّه ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرغ به فكره . فعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره ويحترز من الصّلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصبوغة ، ولذلك كان المتعبّدون يتعبّدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر السجود ليكون أجمع للهمّ والأقوياء كانوا يحضرون المساجد ويغضّون البصر ولا يجاوزونه موضع السّجود كما ورد الأمر به ويرون كمال الصّلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم .
هامش
( 1 ) الدخل بضم الدال فالسكون : ما يدخل على الانسان من عقاره وتجارته ؛ وفي الكنز باطن جيزي ، وبالتحريك العيب والفسق والفساد . م . ( 2 ) خطف الشيء استلبه بسرعة . المنجد .