تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
فاعلم أن حضور القلب سببه الهمّة فانّ قلبك تابع لهمّتك فلا يحضر القلب إلا فيما يهمّك ، ومهما أهمّك أمر حضر القلب شاء أم أبى ، فهو مجبول عليه ومسخّر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصّلاة لم يكن متعطّلا بل كان حاضرا فيما الهمّة مصروفة اليه من أمور الدّنيا ، فلا حيلة ولا علاج لاحضار القلب إلا بصرف الهمّة إلى الصّلاة والهمّة لا ينصرف إليها ما لم يتبيّن أن الغرض المطلوب منوط بها ، وذلك هو الايمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأنّ الصّلاة وسيلة إليه فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدّنيا ومهامتها حصل من مجموعهما حضور القلب في الصّلاة . وأمّا التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذّهن إلى ادراك المعنى وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الاقبال على الفكر والتشمر لرفع الخواطر الشاغلة ، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادّها أعني النزوع « 1 » عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها ، وما لم ينقطع تلك الموادّ لا ينصرف عنها الخواطر ، فمن أحبّ شيئا أكثر ذكره ، فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة ، ولذلك ترى من أحبّ غير اللّه لا يصفو له عن الخواطر . وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين : إحداهما معرفة جلال اللّه وعظمته وهي من أصول الايمان ، فان من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه الثانية معرفة حقارة النفس وخسّتها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولّد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع للّه ، فيعبّر عنه بالتعظيم ، وما لم تمتزج معرفة حقارة النّفس بمعرفة جلالة الرّب لا ينتظم حالة التعظيم والخشوع ، فان المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ، ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله ، لأن قرينته الأخرى وهي معرفة حقارة النّفس وحاجتها لم تقترن إليه . وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس يتولد من المعرفة بقدرة اللّه وسطوته ونفوذ مشيته فيه ، ومع قلة المبالاة به وأنه لو أهلك الأوّلين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرّة ، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصايب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع ، وبالجملة كلما زاد العلم باللّه زادت الخشية والهيبة . وأما الرجاء فسببه معرفة لطف اللّه وكرمه وعميم إنعامه ولطايف صنعه ومعرفة صدقه في
هامش
( 1 ) نزع الشيء من مكانه : قلعه ، نزع نزوعا عن كذا : كف وانتهى عنه .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 226 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى