تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
فلا شك أن المقصود من القراءة والأذكار والحمد والثناء والتضرع والدّعاء والمخاطب هو اللّه تعالى وقلب العبد بحجاب الغفلة محجوب عنه ، فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصّلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر اللّه ورسوخ عقد الايمان بها ، هذا حكم القراءة والذكر . وأمّا الركوع والسّجود فالمقصود التعظيم بهما قطعا والتعظيم كيف يجتمع مع الغفلة وإذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلا مجرّد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقّة ما يقصد الامتحان به ، ثم يجعل عماد الدين والفاصل بين الكفر والاسلام ، ويقدم على ساير العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص . فاعلم « 1 » أن بين القبول والاجزاء فرقا ، فان المقبول من العبادة ما يترتب عليه الثواب في الآخرة ويقرب إلى اللّه زلفى « 2 » والاجزاء ما يسقط التّكليف عن العبد وإن لم يثب عليه ، والناس مختلفون في تحمل التكليف ، فالتكليف إنما هو بقدر حوصلة الخلق وقابليتهم في سعتهم وقصورهم ، فلا يمكن أن يشترط عليهم جميعا إحضار القلب في جميع الصلاة فان ذلك يعجز عنه كلّ البشر إلّا الأقلين . وإذا لم يكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مردّ له إلا أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة ، وأولى اللحظات به لحظة التكبير والتوجّه فاقتصر على التكليف بذلك ، ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التّارك بالكلية ، فإنه على الجملة أقدر على الفعل ظاهرا وأحضر القلب لحظة ، وكيف لا والذي صلى مع الحديث ناسيا صلاته باطلة عند اللّه ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر قصوره وعذره . وقد ذكرنا في باب العقايد في الفرق بين العلم الظاهر والباطن أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع . وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصّلاة وأن أقل ما يبقى به الروح الحضور عند التكبير ، فالنقصان منه هلاك وبقدر الزّيادة عليه ينبسط الرّوح في أجزاء الصّلاة وكم من حي لا
هامش
( 1 ) جواب قوله : ان قيل : المستفاد ( الخ ) . ( 2 ) الزلفة والزلفى : القربى والمنزلة وقد سبق ، ومنه قوله تعالى :وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفىم .