ذلك ، فان لهم حقوقا جمّة على الفرقة الناجية الجليلة ، بترويجهم المذهب الحقّ بمساعيهم الجميلة ، ورفعهم جل التقية عن كثير من العباد والبلاد جزاهم اللّه عنا خير الجزاء وحشرهم مع أئمتهم يوم التناد .
وهؤلاء الفرقة الثانية يرجعون إلى امامهم في التفقه حين تيسّر لهم ذلك ، والا فهم أيضا صنفان بصير ومستبصر ، وبعبارة أخرى فقيه ومتفقه ، وبعبارة ثالثة خاصي وعامي وإن شئت فسمّهما المجتهد والمقلد فلا مشاحة في الالفاظ .
أما بصيرهم وهو الذي له فهم وذكاء وقوّة قدسيّة وزهد في الدنيا وورع في الدّين ، فكيفية التفقه عنده أن يتبع محكمات الكتاب والسّنة ومحكمات أحاديث أهل البيت ( ع ) ممّا صحّ عنهم فيستفهم منها ما يجب اعتقاده وما يجب أن يعمل به ويشيده بشواهد عقله القويم وفهمه المستقيم ، ويؤيده بواردات ترد على ذهنه المصفّى باعماله الصالحة المرضيّة وقلبه المنور بنور أخلاقه المهذبة الزكية فان شرف العقل لا يخفى ولو لاه لما عرف الشرع ، وكأنه شرع من داخل كما أنّ الشرع عقل من خارج وهما يتعاضدان ويتظاهران إلى أن يصيرا كانّهما متحدان .
وفي الحديث « ما أدّى العبد فرايض اللّه حتّى عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل » « 1 » والعقلاءهم أولوا الألباب ، ولا تظنن أن خواص المؤمنين إنما آمنوا باللّه واليوم الآخر بمجادلات المتكلمين وأدلة المجادلين ، هيهات هيهات ، وإنما عرفوا اللّه بمثل ما قلنا من تعاضد العقل والشّرع واجتماع النّور الداخل مع النّور الخارج كاجتماع نور العين مع نور الشّمس في الرّؤية ، وإلى مثل هذا العقل أشير بقوله عزّ وجلّ :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
« 2 » يعني نور العقل والشّرع ، وفي الحديث « ليس العلم بكثرة التعلم إنّما هو نور يقذفه اللّه في قلب من « يشاء خ » يريد اللّه أن يهديه » « 3 » .
فهذا البصير إن تبين له الحكم بحيث لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه أخذ به وشكر اللّه ، وإن اشتبه عليه الأمر وكل علمه إلى اللّه وإلى إمامه المنصوص عليه من اللّه وعمل فيه بالأحوط ، ولا يفتى في مثله بالحتم والبتّ .
قال الصادق ( ع ) : « اما أنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا » « 4 » ، وقال ( ع ) « كلّ علم لا يخرج من هذا البيت فهو باطل ، وأشار بيده إلى بيته » . « 5 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 13 .
( 2 ) سورة النور : آية 35 .
( 3 ) البحار : ج 1 ص 225 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 402 .
( 5 ) بصائر الدرجات : ص 531 « ولكن ذكره عن أبي جعفر ( ع ) » .