فنقول :
إن النّاس كانوا في زمن رسول اللّه ( ص ) يأخذون العلم عنه بما يوحى إليه وأما بعده فصاروا فرقتين :
فرقة قالوا بالاجماع الزّور في تعيين الامام باتّباع المتشابهات في العقايد والأحكام مضافا إلى المحكمات ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل ، واختيار المدلول قبل اختلاق الدّليل ، وهم أصحاب أبي بكر بن أبي قحافة التيمي ، وعمر بن الخطاب العدوي ومن يحذو حذوهم من الذين قالوا بالاجتهاد والرّأي في كلّ شيء فتتبدل آراؤهم وتختلف علماؤهم إن يتبعون إلّا الظّن وما تهوى الأنفس وإن هم إلا يخرصون وهؤلاء صنفان : مجتهد ومقلد .
أمّا مجتهدهم فكيفيّة التفقه عنده استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ فيما يحتاج إليه النّاس من العلوم الدينيّة أصولية كانت أو فروعيّة من القوانين التي وضعوها والقواعد التي اخترعوها للاستعانة بها على الاستنباط من المتشابهات .
وأما مقلدهم فكيفية التفقه عنده بأن يأخذ من مجتهده ما استنبطه بنظره ولو بواسطة أو وسائط .
وفرقة قالوا بالنّص من اللّه عزّ وجلّ في تعيين الامام والاقتصار على اتباع المحكمات في العقايد والاحكام وقوفا على ما جاء به الوحي والتنزيل ، واتّقاء عمّا كاد يفضي إلى الضّلال والتضليل ، وهم أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( ع ) الذين لا يقولون إلا على النّصوص بالخصوص في كلّ شيء مسلمين لامامهم الآخذ علمه من اللّه ومن رسوله في كلّ ما أنهاه إليهم في شيء شيء مطيعين لما أمرهم اللّه تعالى حيث قال :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 1 » وحيث قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
« 2 » .
وأما ما ترى من اجتهاد لبعض متأخري أصحابنا وتدوينهم الأصول وخوضهم في الفضول فإنما ذلك لشبهة جرت فيهم من مخالفيهم كما بينّا وجهه في مسفوراتنا مع احتمال أن يكون سبب حدوثه فيهم أولا مصلحة رأوها ، ومماشاة مع مخالفيهم راعوها ، لئلا يزعموا أن دقائق العلم ليست فينا ، ثم صار ذلك شبهة لمن تأخّر عنهم جرت فيهم ، ثمّ سرت في ذويهم وعلى التقديرين فليس ذلك قادحا في منزلتهم العليا ولا سببا لالحاقهم بالفرقة الأولى ، حاشاهم عن
هامش
( 1 ) سورة النحل : آية 43 وسورة الأنبياء : آية 7 .
( 2 ) سورة النساء : آية 59 .