إياه مطيعا له فيما أمره نقيّا من الأدناس والنجاسة مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس « 1 » وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار .
وإنّما وجب على الوجه واليدين والرأس والرّجلين لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما يوجب فيه الوضوء ، وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع ، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل ، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده ، وبرجليه يقوم ويقعد وأمر بالغسل من الجنابة دون الخلاء ، لأن الجنابة من نفس الانسان وهو شيء يخرج من جميع جسده ؛ والخلاء ليس هو من نفس الانسان إنما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب » « 2 » .
وفي رواية أخرى عنه ( ع ) : « وعلة التخفيف في البول والغايط أنه أكثر وأدوم من الجنابة فرضي فيه بالوضوء لكثرته ومشقّته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة ، والجنابة لا يكون إلا بالاستلذاذ منهم والاكراه لأنفسهم » « 3 » .
قال بعض أصحابنا ما ملخّصه : إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان « 4 » ، كلما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى ، فلذلك امر العبد بتطهير الأعضاء الظاهرة الدنيوية عند الاشتغال بعبادة اللّه تعالى والاقبال عليه ، فامر في الوضوء بغسل الوجه الذي فيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدّنيا ليتوجّه ويقبل بوجه القلب على اللّه وهو خال من تلك الأدناس « 5 » .
ثمّ امر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر الأمور الدّنيوية والمشتهيات الطبيعية المانعة من الاقبال على الآخرة ، ثمّ بمسح الرّجلين لأن بهما يتوصّل إلى مطالبه ويتوسّل إلى تحصيل مآربه ، فيطهّرها جميعا ليسوغ له الدخول بها في العبادة والاقبال عليها .
وامر في الغسل بغسل جميع البشرة لأن أدنى حالات الانسان وأشدّها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع وموجبات الغسل ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة ولهذا قال
هامش
( 1 ) النعاس بالضم : الوسن وأول النوم وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي العين ولا تصل إلى القلب فإذا وصلت اليه كان نوما م .
( 2 ) عيون أخبار الرضا : ج 2 ص 87 الباب 33 .
( 3 ) عيون أخبار الرضا : ج 2 ص 102 الباب 34 .
( 4 ) ضرة المرأة امرأة زوجها وهما ضرتان والجمع الضرائر ، وفي حديث الرسول ( ص ) مع خديجة فإذا قدمت على ضرائرك فاقرئهن عنا السلام .
( 5 ) الدنس : الوسخ .