وعن الباقر ( ع ) قال : « ما أخلص عبد الايمان باللّه أربعين يوما أو قال ما أجمل عبد ذكر اللّه أربعين يوما إلا زهّده اللّه في الدّنيا وبصّره داءها ودواءها وأثبت الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه » « 1 » .
وعن الصّادق ( ع ) في قول اللّه عزّ وجلّ :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 2 » قال : ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا ، وانما الإصابة خشية اللّه والنية الصادقة ثمّ قال :
الابقاء على العمل حتّى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّه عزّ وجلّ ، والنية أفضل من العمل ، ألا وإن النية هو العمل ، ثم تلا قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
يعني على نيته » « 3 » .
والطريق إلى الاخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب ، وكم أعمال يتعب الانسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه اللّه تعالى ، ويكون فيها مغرورا لأنه لا يدري وجه الآفة فيه « 4 » .
كما حكي عن بعضهم أنه قال قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صلّيتها في المسجد جماعة في الصّف الأوّل لأني تأخرت يوما لعذر وصليت في الصّف الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصّف الثاني ، فعرفت أن نظر النّاس إليّ في الصّف الأوّل كان يسرّني ، وكان سبب استراحة قلبي من ذلك من حيث لا اشعر .
وهذا دقيق غامض وقلّما تسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له ، والغافلون عنه يرون حسناتهم في الآخرة كلّها سيّئات ، وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما عملوا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وقد مضت الإشارة إلى أمثال ذلك في باب ذم الغرور .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 16 .
( 2 ) سورة الملك : آية 2 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 16 .
( 4 ) روي في الوسائل عن كتاب الزهد عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللّه ( ع ) يقول : يجاء بالعبد يوم القيامة قد صلى فيقول : يا رب قد صليت ابتغاء وجهك فيقال له : بل صليت ليقال ما أحسن صلاة فلان ، اذهبوا به إلى النار ثم ذكر مثل ذلك في القتال وقراءة القرآن والصدقة .
« أقول » : وروى المصنف ( قده ) نظير هذه الرواية في محجة البيضاء ، عن النبي ( ص ) باختلاف في اللفظ والمعنى .