تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦

الفصل السادس في الانبساط والادلال

اعلم أنّ الانس إذا دام وغلب استحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف البعد والحجاب ، فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللّه سبحانه ، وقد يكون منكرا بحسب الصّورة لما فيه من الجرأة وقلّة الهيبة ولكنّه محتمل ممّن أقيم مقام الانس ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل والكلام هلك وأشرف على الكفر . ومثاله ( مناجاة برخ الأسود الذي أمر اللّه تعالى كليمه موسى ( ع ) أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى في سبعين ألفا فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه كيف استجيب لهم وقد أظلت ( أظلمت ) عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتّى استجيب له فسأل عنه موسى ( ع ) فلم يعرف فبينا موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة « 1 » قد عقدها على عنقه فعرفه موسى ( ع ) بنور اللّه تعالى فسلم عليه فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمي برخ قال : فأنت طلبتنا منذ حين فاستسق لنا فخرج فقال في كلامه : ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك ، ما الذي بدا لك أتعصت عليك غيومك أم عاندت الرّياح عن طاعتك ، أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرّحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة . قال : فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالمطر وأنبت اللّه عزّ وجلّ العشب في نصف يوم حتّى بلغ الركب ، قال : فرجع برخ فاستقبله موسى فقال : كيف رأيت حين خاصمت ربّي كيف أنصفني فهم موسى ؛ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه إن برخا يضحكني كلّ يوم ثلاث مرات ) « 2 » . واعلم أن الانبساط والادلال « 3 » يحتمل من بعض العباد دون البعض فمن انبساط الانس
هامش
( 1 ) الشملة بالفتح كساء دون القطيفة يشتمل به . ق . ( 2 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 312 ( 3 ) دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها تريه جرأة في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وما بها خلاف
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 186 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى