تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إخراج حبّ غير اللّه منه ، فان القلب مثل الاناء الذي لا يسع للخل مثلا ما لم يخرج منه الماء ، وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه . وكمال الحبّ في أن يحب اللّه بكل قلبه ، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره ، فبقدر ما يشتغل بغير اللّه ينقص منه حبّ اللّه إلا أن يكون التفاته إلى الغير من حيث إنّه صنع اللّه وفعل اللّه ومظهر من مظاهر أسماء اللّه . وإلى هذا التفريد والتّجريد الإشارة بقوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
« 1 » وذلك إنما يكون بغلبة الشوق ؛ وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما والتشوق إلى ما بقي من المطلوب مما لم يحصل . فان الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه ، وهو إنّما يكون بأحد الأمرين ولا نهاية له ، لأن الاتضاح فيما حصل لا نهاية لدرجاته وكذلك الازدياد فيما بقي من جمال اللّه وجلاله لا ساحل له ، بل مع حصول أصل الوصال يجد أيضا شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ، فالشوق لا يسكن قط ولا سيّما مما يرى فوقه درجات كثيرة
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
« 2 » . وفي مصباح الشريعة قال الصادق ( ع ) : « المشتاق لا يشتهي طعاما ولا يلتذ شرابا ولا يستطيب رقا ولا يأنس حميما ولا يأوي دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس لينا ولا يقر قرارا ويعبد اللّه ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان شوقه معبرا عمّا في سريرته كما أخبر اللّه تعالى عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
« 3 » . وفسر النبيّ ( ص ) عن حاله أنّه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربّه فإذا دخلت ميدان الشّوق فكبّر على نفسك ومرادك من الدنيا ، ودع المألوفات وأحرم عن سوى مشوّقك ولبّ بين حياتك وموتك لبّيك اللهمّ لبيك وأعظم اللّه تعالى اجرك . ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همّة إلا خلاصه وقد نسي كل شيء دونه » « 4 » والأخبار الواردة في شوق لقاء اللّه تعالى أكثر من أن تحصى ، وقد مرّت الإشارة إلى بعضها في ادعيّة
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 91 ( 2 ) سورة التحريم : آية 8 . ( 3 ) سورة طه : آية 84 ( 4 ) مصباح الشريعة ص 196