المعصومين ( ع ) .
الفصل الخامس درجات المحبة وآثارها على النفس
اعلم أن الانسان إذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه فسميت هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة إلى أمر غايب .
وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشار القلب بما يلاحظه فيسمّى استبشاره انسا .
وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر امكان الزّوال والبعد تألم قلبه بهذا الاستشعار فتسمى تألّمه خوفا وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات فان غلب الانس وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذّته ومن غلب عليه الانس باللّه لم يكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة .
وذلك لان الانس باللّه يلازمه التوحش من غير اللّه بل كلّ ما يعوق من الخلوة يكون أثقل الأشياء على القلب .
كما روي أن موسى ( ع ) لما كلمه ربّه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الخلق إلا أخذه الغشيان ، لأن الحبّ يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره ، فتخرج من القلوب عذوبة ما سواه ، فان خالط النّاس كان كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر وشاهد في غيبة وغايب في حضور ومخالط بالجسد منفرد بالقلب المستغرق بعذوبة الذّكر .
قال أمير المؤمنين ( ع ) في وصفهم : « هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحلّ الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في أرضه والدّعاة إلى دينه » « 1 »
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : قصار الحكم حكمة 147 .