تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
يبلّه إلا النظر إلى وجهك وقراري لا يقر دون دنوي منك ، ولهفتي لا يردّها إلا روحك ، وسقمي لا يشفيه إلا طبك ، وغمّي لا يزيله الا قربك ، وجرحي لا يبرؤه إلا صفحك ، وصدى قلبي لا يجلوه إلا عفوك ، ووسواس صدري لا يزيحه إلا منك ( أمرك خ ) » « 1 » . وأمثال هذا في أدعيتهم أكثر من أن تحصى . وعن أمير المؤمنين ( ع ) إنّ للّه تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طربوا ، وإذا طربوا طابوا ، وإذا طابوا ذابوا ، وإذا ذابوا أخلصوا ، وإذا خلصوا طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم « 2 » .

الفصل الأول المحبة بعد المعرفة والادراك

اعلم أن الحبّ عبارة عن الميل إلى الشيء الملذّ وإنّما يحصل بعد المعرفة بذلك الشيء وإدراكه إما بالحواس أو بالقلب ، وكما كان المعرفة به أقوى واللّذة أشد وأكثر كان الحبّ أقوى ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، والقلب أشد إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للابصار ، فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ ، فيكون ميل الطبع السّليم والعقل الصّحيح إليه أقوى . فلا ينكر إذن حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهايم ، فلم يجاوز إدراكه الحواس ، وكما أن الانسان يحبّ نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه ، ويحب غيره لأجل نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه ، فكذلك قد يحبّ غيره لذاته لا لحظ يناله منه وراء ذاته ، بل يكون ذاته عين حظه ، وهذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الذي يوثق به . وذلك كحب الجمال والحسن ، فان كلّ جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال وذلك لعين الجمال ، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة ، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها ولا تظنن أن حبّ الصّور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة ، فان قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحبّ الصور الجميلة لأجلها ، وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته .
هامش
( 1 ) الصحيفة السجادية ص 462 المناجاة الحادية عشر مناجاة المفتقرين ( 2 ) قال بعض الاعلام : لم نعثر على مصدر لهذه الرواية في كتب أصحابنا الإمامية رضوان اللّه عليهم .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 178 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى