تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١

الفصل الثاني اجل اللذات وأعلاها

اعلم أن أجل اللذات وأعلاها معرفة اللّه تعالى والنظر إلى وجهه الكريم ، وأنه لا يتصور أن يؤثر عليه لذة أخرى الا من حرم هذه اللذة ، وذلك لأن اللذات تابعة للادراكات ، والانسان جامع لجملة من القوى والغرايز ولكلّ قوة وغريزة « 1 » لذة ولذتها في نيلها مقتضى طبعها التي خلقت له فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذاتها في الغلبة والانتقام ، وغريزة شهوة الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل الغذاء وهكذا ساير الغرايز . وفي القلب غريزة تسمّى بالبصيرة الباطنة ، وقد تسمى نور الايمان واليقين يعلم بها حقايق الأمور كلها ، فمقتضى طبعها المعرفة والعلم ، والعلم من أخص صفات الرّبوبيّة ، وهو منتهى الكمال ، ولذلك يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذكاء ، وغزارة « 2 » العلم ، لانّه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وجمال علمه ، فيعجب بنفسه ويلتذّ به . ثمّ ليس لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك ، ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم باللّه وصفاته وملائكته وملكوت السّماوات والأرض ، بل لذة العلم بقدر شرف العلم ، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم ، فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها . وليت شعري هل في الوجود شيء أجمل وأعلى وأشرف وأكمل من خالق الأشياء كلها ومكمّلها ومربّيها ومبديها ومعيدها ومدّبرها ومرتّبها ، فينبغي أن يعلم أنّ لذّة المعرفة باللّه أقوى من ساير اللّذات لمن له غريزة المعرفة ، ثمّ من عرف اللّه عرف أن اللذات المقرونة بالشّهوات المختلفة كأنها منطو تحت هذه اللذة كما قيل :
كانت لقلبي أهواء مفرقة * فاستجمعت إذرأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده * فصرت مولى الورى إذ صرت مولائي
هامش
( 1 ) الغريزة : الطبيعة والقريحة ومنه الحديث : الجبن والبخل والحرص غريزة يجمعها سوء الظن باللّه . ( 2 ) الغزير بتقديم المعجمة : الكثير من كل شيء .