سواء كان جمال الظاهر الصوري أو الباطن المعنوي ، وكذا الكمال ، واللّه هو الجميل لذاته والكامل بذاته ، وكلّ مليح حسنه من جماله ، وكل كامل فكماله فرع كماله فما أحبّ أحد غير خالقه ، ولكنه احتجب عنه تحت وجوه الأحباب واستار الأسباب .
وكذا الكلام في محبة الغير للاحسان ، فان الاحسان أيضا محبوب لذاته ، سواء كان متعدّيا إلى المحبّ أم لا ، ولا إحسان إلا من اللّه ، ولا محسن سوى اللّه جلّ ثناؤه ، فإنه خالق الاحسان وذويه ، وجاعل أسبابه ودواعيه ، وكلّ محسن فهو حسنة من حسنات قدرته ، وحسن فعاله قطرة من بحار كماله وأفضاله .
وأمّا محبة الغير للمجانسة فذلك لأن الجنس يميل إلى الجنس سواء كانت المجانسة لمعنى ظاهر كما أن الصبي يميل إلى الصّبي لصباه ، أو لمعنى خفي كما يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال ولا طمع في جاه أو مال ، فان الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف .
وهذه المحبة فرع لمحبّة النفس فترجع إلى محبّة اللّه تعالى كما عرفت ، فعلى كلّ وجه ما متعلق المحبّة إلا اللّه الا أنه لا يعرف ذلك إلا أولياؤه وأحبّاؤه ، كما أشار إليه سيّد الشهداء ( ع ) في دعاء عرفة بقوله :
« وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتّى لم يحبّوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك » « 1 » فسبحان من احتجب عن أبصار العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسنى الدين هم عن نار الحجاب مبعدون ، وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون « 2 » ، وفي مسارح « 3 » المحسوسات وشهوات البهايم يتردّدون
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
« 4 »
هامش
( 1 ) الاقبال : ص 349 دعاء الإمام الحسين ( ع ) يوم عرفة
( 2 ) قوله تعالى :يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِأي يحارون ويضلون يقال : تاه في الأرض أي ذهب متحيرا .
( 3 ) المسارح جمع مسرح وهو الموضع الذي تسرح اليه الماشية
( 4 ) سورة الروم : اية 7 .