وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو يؤكل الخضرة أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية ، وكان رسول اللّه ( ص ) تعجبه الخضرة والماء الجاري ، والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النّظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتى أن الانسان ليتفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظّ وراء النظر .
ثمّ الحسن والجمال ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة إذ يقال :
هذا صوت حسن ، وهذا خلق حسن ، وهذا علم حسن ، وهذه سيرة حسنة وليس شيء من هذه الصفات تدرك بالبصر .
بل وليس الحسن والجمال مقصورا على مدركات الحواس ، بل كثير من خلال الخير مدرك بنور البصيرة الباطنة ، وآية ذلك أن الطباع السّليمة مجبولة على حبّ الأنبياء والأئمة ( ع ) مع أنّهم لا يشاهدوهم حتّى أن الرّجل قد يجاوز حبّه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه والذّب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه .
وجملة خلال الخير ترجع إلى العلم والقدرة ، وهما محبوبان بالطبع وغير مدرك بالحواس ، بل لما وصف النّاس حاتما بالسّخاء وعلّيا ( ع ) بالشّجاعة أحبّهما القلوب حبّا ضروريّا ، وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظّ يناله المحبّ منهما ، ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظاهرة .
ثمّ كلّ محبّ اما أن يحب نفسه ، أو يحب غيره ، ومحبّ الغير اما لحسنه وجماله ، أو لاحسانه وكماله ، أو لمجانسة بينه وبين المحبّ .
امّا محبّة النفس فهي أشدّ وأقوى ، لأن المحبة إنما تكون بقدر الملايمة والمعرفة ، ولا شيء أشدّ ملايمة لأحد من نفسه ، ولا هو لشيء أقوى معرفة منه بنفسه ولهذا جعل معرفة نفسه مفتاحا لمعرفة ربّه ، ووجود كلّ أحد فرع لوجود ربّه وظل له ، فمحبّة نفسه ترجع إلى محبّة ربّه وإن لم يشعر المحبّ به .
وأمّا محبّة الغير لحسنه وجماله أو لقربه من اللّه وكماله ، فذلك لأن الجمال محبوب لذاته
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 179
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٩