فيكون ذلك سوء خاتمته وإن كان أصل الايمان باقيا .
ومن أراد أن يكف خاطره عن الانتقال إلى المعاصي والشهوات فلا طريق له إلا المجاهدة طول العمر في فطام نفسه عنها ، وفي قمع الشهوات من القلب ، فهذا هو القدر الذي يدخل تحت الاختيار ويكون طول المواظبة على الخير وتخلية الفكر عن الشواغل عدة وذخيرة لحالة سكرات الموت ، فان المرء يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه كما ورد في الخبر .
ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشّهادة وهو يقول : خمسة ستّة أربعة ، وكان مشغول القلب بالحساب الذي طال الفه له قبل الموت ، فإنما المخوف عند الموت خاطر سوء يخطر فقط ، وهو الذي قال رسول اللّه ( ص ) : « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنّة خمسين سنة حتّى لا يبقى بينه وبين الجنّة إلا فواق ناقة « 1 » فيختم له بما سبق به الكتاب » « 2 » .
ولا يتسع فواق ناقة لاعمال توجب الشقاوة بل هي الخواطر التي تضطرب وتخطر القلب خطور البرق الخاطف فلهذا عظم خوف العارفين من سوء الخاتمة لأنه لو أراد الانسان أن لا يرى في المنام إلا أحوال الصّالحين وأحوال الطاعات والعبادات عسر عليه ذلك وإن كان كثرة الصّلاح والمواظبة عليه ممّا يؤثر فيه ولكن اضطرابات الخيال لا يدخل بالكلية تحت الضبط وإن كان الغالب مناسبة ما يظهر في النوم لما غلب في اليقظة .
وقد عرفت بهذا أن أعمال المرء كلها ضائعة إن لم يسلم في النفس الأخير الذي عليه خروج الرّوح ، وأن السلامة مع اضطراب أمواج الخواطر مشكل جدا ومن هنا قيل : لا عجب لمن هلك كيف هلك ، ولكني أعجب ممّن نجى كيف نجى .
ولأجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مطبوعا ( مضبوطا خ ) عليها ، وموت الفجأة مكروها أما موت الفجأة فلأنه ربما يتفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب أما الشهادة فلأنها عبارة عن قبض الرّوح في حالة لم يبق في القلب سوى حبّ اللّه وخرج حبّ الدنيا والأهل والمال والولد إذ لا يهجم على صف القتال موطنا نفسه على الموت إلّا محبّا للّه وطالبا لمرضاته وبايعا دنياه بآخرته راضيا بالبيع الذي بايعه اللّه به إذ قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
هامش
( 1 ) ذكرنا شرحها فيما مر في ص 159 .
( 2 ) احياء علوم الدين ج 4 ص 155 .