قاصرة ، وهداية اللّه بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حبّ الدّنيا محجوبة .
وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم المزجاة « 1 » مضطرب ومتعارض ، والقلوب لما القى إليها في مبدء النّشو ألفة وبه متعلّقة والتعصبات الثائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقايد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظن من المعلّمين في أوّل الأمر ثمّ الطباع بحبّ الدّنيا مشغوفة وعليها مقبلة وشهوات الدّنيا بمخنقها آخذة وعن تمام الفكر صارفة .
فإذا فتح باب الكلام في اللّه وفي صفاته بالرأي والعقول مع تفاوت النّاس في قرايحهم واختلافهم في طباعهم وحرص كلّ جاهل منهم على أن يدّعي الكمال والإحاطة بكنه الحقّ انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل منهم وتعلّق ذلك بقلوب المصغين إليهم ، وتأكد ذلك بطول الألف فيهم وانسدّ بالكلية طريق الخلاص عنهم ، فكانت سلامة الخلق في أن يشغلوا بالأعمال الصّالحة ولا يتعرّضوا لما هو خارج عن حدّ طاقتهم الا من فقهه اللّه في الدّين ، وعلمه التأويل ، وأشرق نور الحكمة في قلبه ، وذلك هو الكبريت الأحمر .
وأما السبب الثاني فهو ضعف الايمان في الأصل ثمّ استيلاء حب الدنيا على القلب ، ومهما صعف الايمان ضعف حبّ اللّه وقوي حبّ الدنيا فيصير بحيث لا يبقى على القلب موضع لحب اللّه إلا من حيث حديث نفس لا يظهر له اثر في مخالفة النفس والعدول عن طريق الشيطان ، فيورث ذلك الانهماك في اتباع الشهوات حتّى يظلم القلب ويقسو ويسود ويتراكم ظلمة الذنوب على القلب ، ولا يزال يطفي ما فيه من نور الايمان حتى يصير طبعا ورينا .
فإذا جاءت سكرات الموت ازداد حبّ اللّه ضعفا لما يبدو من استشعار فراق الدنيا وهي المحبوبة الغالبة على القلب فيتألم القلب باستشعار فراقها ويرى ذلك من اللّه ، فيختلج ضميره بانكار ما قدر اللّه من الموت ، فيخشى أن يثور في باطنه بغض اللّه بدل الحبّ فان اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي خطر فيها هذه الخطرة فقد ختم له بالسوء فمن وجد في قلبه حبّ اللّه أغلب من حبّ الدنيا وإن كان يحب الدّنيا أيضا فهو أبعد من هذه الخطرة ولا يحبّ اللّه إلا من عرفه .
قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ
هامش
( 1 ) بضاعة مزجاة اي يسيرة قليلة كما في المجمع ، أو قليلة أو لم يتم صلاحها كما في القاموس .