الخوف .
فالخوف هو النار المقمعة للشّهوات فاذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة وبقدر ما يكفّ عن المعاصي ويحثّ على الطاعات ، ويختلف ذلك بحسب اختلاف درجات الخوف كما بينّاه .
الفصل السادس أسباب سوء الخاتمة
اعلم أن لسوء الخاتمة أسباب مختلفة وترجع إلى ثلاثة .
أما السبب الأول وهو الأعظم فهو أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله إما الشك ، وإما الجحود فتقبض الرّوح في تلك الحالة فيصير حجابا بينه وبين اللّه تعالى أبدا ، وذلك يقتضي البعد الدائم والعذاب المخلد ، وسبب ذلك أن يعتقد الرّجل في ذات اللّه وصفاته وأفعاله خلاف الحقّ إما برأيه ومعقوله ، وإمّا بالتقليد فيكشف له عند سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا إذ حال الموت حال كشف الغطاء ، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته أو الشك فيها .
فان اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن ينيب ويعود إلى أصل الايمان فختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك قال اللّه تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
« 1 » وقال عزّ وجلّ :
هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 2 » والبله بمعزل عن هذا الخطر أعني الذين آمنوا باللّه ورسوله واليوم الآخر ايمانا مجملا ، ولذلك ورد أن أكثر أهل الجنّة البله « 3 » وورد المنع عن البحث والنظر والخوض في الكلام والاكتفاء بظواهر الشرع مع اعتقاد نفي التشبيه ، وذلك لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كؤدة « 4 » ومسالكه وعرة « 5 » والعقول عن درك جلال اللّه
هامش
( 1 ) سورة الزمر : آية 47 .
( 2 ) سورة الكهف : آية 103 - 104 .
( 3 ) قال في مجمع البحرين : قيل : البله هنا هم الذين غلبت عليهم سلمة الصدور وحسن الظن بالناس ، لأنهم غفلوا من دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها واقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها واستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة ، فاما الأبله الذي لا عقل له فليس بمراد .
( 4 ) عقبة كؤد وكأداء : صعبة ق .
( 5 ) الوعر : ضد السهل ق .