تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
« 1 » . واما السبب الثالث فكثرة المعاصي وإن قوى الايمان ، وذلك لأن مقارفة المعاصي سببها غلبة الشهوات ورسوخها في القلب بكثرة الألف والعادة ، وجميع ما ألفه الانسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته . فإن كان ميله الأكثر إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره عند الموت طاعة اللّه ، وإن كان ميله الأكثر إلى المعاصي غلب على قلبه عند الموت ذكر المعاصي ، فربما تقبض روحه عند غلبة شهوة من شهوات الدّنيا ومعصية من المعاصي ، فيعتقد بها قلبه ويصير محجوبا عن اللّه « 2 » فالذي لا يقارف الذنب إلّا الفينة « 3 » بعد الفينة فهو أبعد من هذا الخطر . وذلك لأنّه كما أن الانسان يرى في منامه جملة من الأحوال التي عهدها طول عمره وألف فيها حتى أنّه لا يرى إلا ما يماثل مشاهداته في اليقظة وكذلك حاله عند سكرات الموت وما يتقدمه من الغشية ، فانّه شبيه بالنوم قريب منه فيقتضي ذلك المألوفات وعودها إلى القلب فربما يكون غلبة الألف سببا لان يتمثل صورة فاحشة في قلبه ويميل نفسه إليها فربما يقبض روحه
هامش
( 1 ) سورة التوبة : آية 24 . ( 2 ) ودلك كما ورد أنه احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له : قل : لا إله إلا اللّه يقول هذا البيت :يا رب قائلة يوما وقد تعبت * اين الطريق إلى حمام منجابوكان سبب ذلك ان امرأة عفيفة حسناء خرجت إلى حمام معروف بحمام منجاب فلم تعرف طريقها وتعبت من المشي فرأته على باب داره فسألته عن الحمام فأشار إلى باب داره ، فلما دخلت أغلق الباب عليها ، فلما عرفت بمكره أظهرت كمال الرغبة والسرور وقالت : اشتر لنا شيئا من الطيب وشيئا من الطعام وعجل بالعود فلما خرج واثقا بها وبرغبتها خرجت وتخلصت منه . وكما حكى أيضا ان تلميذا من تلاميذ الفضيل بن عياض لما حضرته الوفاة دخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة يس فقال : يا أستاذ لا تقرأ هذه فسكت ثم قال له قل لا إله إلا اللّه فقال لا أقولها وأنا برئ منها ومات على ذلك . فدخل الفضيل منزله ولم يخرج ثم رآه في النوم وهو يسحب به إلى جهنم فقال : بأي شيء نزع اللّه المعرفة منك ؟ وكنت أعلم تلاميذي فقال : بثلاثة أشياء : أولها النميمة فاني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك والثاني بالحسد حسدت أصحابي والثالث كان بي علة فجئت إلى الطبيب فسألته عنها فقال : تشرب في كل سنة قدحا من خمر فإن لم تفعل بقيت بك العلة فكنت اشربها . أعاذنا اللّه من سخطه . ( 3 ) الفينة : الوقت ، ومنه قوله : اعملوا عباد اللّه والخناق مهمل ، والروح مرسل ، في فينة الا شاد . م .